سن التقاعد أم سن الإقصاء؟ سؤال مؤجل عن هدر الخبرة الوطنية في الاردن

صنارة نيوز - 12/01/2026 - 9:09 pm

الصناره نيوز - خاص

 

عندما نُقصي الخبرة باسم التقاعد: كيف يُهدر الأردن رأسماله المعرفي؟
لا تُقاس قوة الدول الحديثة بما تمتلكه من موارد طبيعية أو بنى تحتية فحسب، بل بما تختزنه من خبرات بشرية متراكمة، وبقدرتها على إدارة رأس مالها المعرفي بوصفه أصلًا استراتيجيًا طويل الأمد. من هذا المنطلق، يفرض واقع التقاعد الوجوبي عند سن الستين في الأردن سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله: هل نُحسن إدارة خبراتنا المهنية، أم نُقصيها في اللحظة التي تبلغ فيها ذروة نضجها؟
في المهن التي تقوم على التراكم الذهني والعلمي — كالطب، والهندسة، والقضاء، والتعليم العالي، والتقنيات المتقدمة — لا تكون الخبرة نتاج الشهادة وحدها، بل ثمرة عقود من الممارسة، واتخاذ القرار، والتعامل مع الأزمات، وتحمّل المسؤولية. هذه الخبرة “الضمنية” لا تُدرّس في القاعات، ولا تُختصر بدورات سريعة، بل تتكوّن ببطء، وتبلغ أوجها في مراحل عمرية متقدمة.
المفارقة أن النظام الوظيفي التقليدي يفترض، ضمنيًا، أن سن الستين هو بداية التراجع، بينما تشير التجربة العملية والدراسات العلمية الحديثة إلى عكس ذلك. فما يُعرف بالقدرات الذهنية المتبلورة — أي القدرة على استخدام المعرفة والخبرة والحكم المتزن — يظل مستقرًا، بل ويتعزز مع التقدم في العمر، وهو ما يجعل أصحاب الخبرة الطويلة أكثر قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية رشيدة، خاصة في القطاعات الحساسة.
اقتصاديًا، لا يبدو التقاعد الإلزامي المبكر خيارًا حكيمًا. فالدولة تنفق موارد كبيرة على تعليم وتدريب أطبائها، وأساتذتها، ومهندسيها، وقضاتها، ثم تتخلى عن العائد الحقيقي لهذا الاستثمار في اللحظة التي يصبح فيها في أعلى درجات النضج. والأسوأ أن كثيرًا من هذه الخبرات لا تخرج من سوق العمل فعليًا، بل تغادره محليًا فقط، لتنتقل إلى أسواق إقليمية تقدّر الخبرة وتستثمر فيها حتى سن متقدمة، فتتحمل الخزينة الأردنية كلفة التأهيل، بينما تجني دول أخرى ثمار العطاء.
مؤسسيًا، ينعكس هذا النهج مباشرة على جودة الأداء. ففي القطاع الطبي، يُحرم النظام الصحي من اختصاصيين نادرين في وقت تتزايد فيه الحاجة إليهم. وفي الجامعات، تفقد المؤسسات الأكاديمية أساتذة مخضرمين يشكلون العمود الفقري للإشراف على الدراسات العليا وبناء السمعة البحثية. أما في الهندسة والقضاء، فإن الاستغناء عن الخبرات المتراكمة لا يعني مجرد فقدان موظفين، بل فقدان ذاكرة مهنية تمثل عنصر أمان واستقرار.
هنالك دول أدركت مبكرًا خطورة التفريط بالخبرة، ويتضح أن كثيرًا منها انتقل من منطق “سن التقاعد الصارم” إلى منطق “إدارة العمر المهني”. ففي ألمانيا، لا يُنظر إلى سن الخامسة والستين بوصفه نهاية طبيعية للمهن الذهنية، بل تُتاح مسارات مرنة للعمل الجزئي والاستشاري، خاصة في الجامعات والمستشفيات وقطاعات الهندسة المتقدمة، بهدف الحفاظ على الذاكرة المؤسسية ونقل المعرفة. أما اليابان، التي تواجه تحديات ديموغرافية حادة، فقد جعلت من بقاء الخبرات حتى سن السبعين خيارًا استراتيجيًا، انطلاقًا من قناعة بأن الحكمة المهنية عنصر استقرار اقتصادي، لا عبئًا اجتماعيًا. وفي المملكة المتحدة، أُلغيت الحدود الإلزامية للتقاعد في معظم القطاعات، وربط الاستمرار في العمل بالكفاءة والإنتاجية، لا بالعمر الزمني. أما سنغافورة، فقد تبنّت نموذجًا يعتبر الإنسان أصلًا إنتاجيًا طويل الأمد، من خلال رفع سن التقاعد الرسمي وتوفير مسارات ثانية للخبراء كمستشارين وموجّهين. هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها، تشترك في قناعة واحدة: أن فقدان الخبرة أخطر من تأخير الإحلال، وأن نقل المعرفة لا يتم تلقائيًا، بل يحتاج إلى تزامن مهني مدروس بين الأجيال.
اجتماعيًا ونفسيًا، لا يقل الأثر خطورة. فالتقاعد الإجباري للإنسان المنتج، وهو لا يزال قادرًا على العطاء، يولد شعورًا بالإقصاء وفقدان الدور، وقد يسرّع من التراجع الصحي بدل أن يقي منه. بينما تُظهر تجارب عديدة أن الاستمرار في العمل الذهني المنظم يعزز الصحة النفسية، ويُبقي الفرد جزءًا فاعلًا من نسيج المجتمع.
إن هذا النقاش لا يعني تجاهل حق الشباب في الفرص، ولا الدعوة إلى تجميد المسارات الوظيفية، بل يستدعي حلولًا مرنة وعادلة: فصل المسار الإداري عن المسار الاستشاري، اعتماد التقاعد التدريجي، وربط الاستمرار بمعايير أداء واضحة ونقل معرفة فعّال. فالإشكالية ليست في بقاء الخبرة، بل في سوء تصميم الأدوار.
في زمن تتنافس فيه الدول على العقول، لا يجوز أن يكون الأردن من الدول التي تُقصي خبراتها، ثم تبحث عنها خارج حدودها. فالخبرة التي تتراكم عبر السنين ليست عبئًا على الدولة، بل أحد أعمدتها الخفية.