جواد العناني.. يختلف الناس مع التصريح ولا يختلفون على تاريخ الرجل
صنارة نيوز - 01/06/2026 - 10:37 pm / الكاتب - الدكتور المحامي محمد عوض الزبيدي
تابعت كما الكثير غيري من الاردنيين مقابلة معالي الدكتور جواد العناني وما اثير حول حديثه الأخير فيما يتعلق بخريطة الأردن وسياقات نشأتها التاريخية جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والشعبية خصوصا على صفحات التواصل الاجتناعي، وتباينت الآراء بين من رأى في حديثه اجتهادًا سياسيًا وتاريخيًا قابلًا للنقاش، وبين من اعتبر بعض العبارات المستخدمة لم تكن موفقة بالنظر إلى حساسية الموضوع وارتباطه بالشعور الوجداني الوطني.
وعلى الرغم من كل الحديث الدائر حول تصريحات العناني، فإن الحقيقة والإنصاف تقتضي التفريق بين الاختلاف مع تصريح أو رأي، وبين الحكم على مسيرة رجل أمضى عقودًا طويلة في خدمة الدولة الأردنية ومؤسساتها وقيادتها الحكيمة وكان حاضرًا في محطات مفصلية من تاريخ الوطن.
فالدكتور جواد العناني ليس اسمًا عابرًا في تاريخ الحياة السياسية والاقتصادية الأردنية، بل هو أحد رجالات الدولة الذين تقلدوا مواقع سياسية واقتصادية رفيعة، فكان نائبًا لرئيس الوزراء، ووزيرًا في أكثر من حكومة، كما شغل منصب رئيس الديوان الملكي الهاشمي، وهي من أكثر المواقع حساسية وأهمية في تاريخ الدولة، ما يعكس حجم الثقة التي أولتها له القيادة الهاشمية عبر سنوات طويلة من عمله الوطني والذي يشهد له بالتفاني والاخلاص.
الأردنيون ومنذ سنين عرفوا الدكتور العناني اقتصاديًا ومفكرًا وصاحب رؤية، حتى وان اختلفوا معه أحيانًا واتفقوا معه أحيانًا أخرى، لكن أحدًا لا يستطيع إنكار حضوره البارز والناجح في خدمة الدولة والقيادة، أو تجاهل الأدوار التي قام بها في مراحل دقيقة من تاريخ الأردن الحديث.
وأستذكر هنا تجربة شخصية جمعتني بالعناني عندما كان رئيسًا لمجلس أمناء جامعة البلقاء التطبيقية، حيث زاملته عن قرب، ولمست فيه شخصية تمتلك خبرة واسعة وحرصًا على الحوار والاستماع للرأي الآخر، إلى جانب حرصه الشديد على المال العام، و اهتمامه بالشأن الأكاديمي والتنموي ودوره في دعم مؤسسات التعليم العالي.
لقد تعلمنا في الحياة العامة أن الوطنيون يُقاسون بمجموع ما قدموه لا بلحظة واحدة من تاريخهم حتى وان اختلفنا مع طريقة طرحها، وأن أصحاب التجارب الطويلة لا يجوز اختزالهم في تصريح أو مقابلة.
ولعل ما نحتاجه اليوم أكثر من أي يوم مضى هو العمل على استعادة ثقافة الإنصاف؛ تلك الثقافة التي تُمكّننا من مناقشة الأفكار بجرأة، ومن نقد التصريحات بطريقة موضوعية، دون أن ننزلق إلى محاكمات تلغي تاريخ الأشخاص أو تحاول أن تلغي إسهاماتهم في تنمية الوطن، فالنقد حق، والاختلاف حق، لكن العدالة في التقييم واجب.
إن الدكتور العناني ينتمي إلى جيل من رجالات الدولة الذين واكبوا مراحل بناء الدولة وتطورها، وهو من الذين اسهموا في رسم السياسات الاقتصادية والإدارية، وعملوا في مواقع المسؤولية العامة في ظروف لم تكن سهلة أو مستقرة. واعيد واكرر وانا رجل قانون أنه من الطبيعي أن يختلف الناس مع بعض آرائهم أو اجتهاداتهم، لكن من غير الطبيعي أن يتحول هذا الاختلاف إلى تنكر لتاريخ طويل من الخدمة العامة.
واليوم وفي زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة الأحكام السريعة، تبرز الحاجة إلى التروي والتوازن، وإلى قراءة الشخصيات العامة ضمن تاريخها الكامل لا ضمن مقطع مقتطع أو عبارة مثيرة للجدل، فالتاريخ ورجاله لا يُكتب بالانفعالات، وإنما بالوقائع والإنجازات والمسارات الممتدة عبر السنين.
وأقول إن الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة ومؤسساته الراسخة، أكبر من أي جدل عابر، كما يبقى وفاء الأردنيين لمن خدموا وطنهم بإخلاص جزءًا أصيلًا من قيمهم الوطنية الراسخة. ومن هذا المنطلق، فإن الاختلاف مع ما قاله الدكتور جواد العناني لا ينبغي أن يحجب حقيقة ثابتة، وهي أن الرجل كان وما يزال أحد أبناء الأردن الذين ارتبط اسمهم بمسيرة الدولة وخدمة الوطن، وأن الإنصاف يقتضي أن نختلف معه حيث نرى ذلك، وأن نعترف بما قدمه حيث يجب الاعتراف.




