أوثـان الـعـقـل ... حـيـن يـتـقـدس الـجـهـل

صنارة نيوز - 07/05/2026 - 11:29 am

أوثـان الـعـقـل  ... حـيـن يـتـقـدس الـجـهـل .

بـقـلـم  : الـمـحـامـي مـحـمـد يـاسـر الـعـطـار ...

هناك أوطان نعيش فيها ، وهناك أوطان تعيش فينا،  والأردن بالنسبة لأبنائه ليس مجرد بقعة جغرافية ، بل هو هوية راسخة ، وذاكرة ممتدة ، وانتماء لا يُقاس بالكلمات ، 

 نحن لا نحب هذا الوطن حباً عابرا ً، بل نؤمن أن الحفاظ على أمنه الفكري واستقراره مسؤولية لا تقل قداسة عن الدفاع عن ترابه .

في زمنٍ لم يعد فيه الرصاص وحده أداة القتل ، يبرز ما يمكن تسميته بـ "الجهل المقدس" كأخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات ؛ وهو ذاك الجهل الذي يتلبّس بثوب القداسة ، فيُعطّل العقل ، ويُصادر النقاش ، ويبرر الكراهية والعنف تحت شعارات زائفة ، حتى تتحول الأفكار المنحرفة إلى "أوثان عقلية" تُعبد من دون وعي ، إن المقاربة القانونية والرصينة لهذه الظاهرة تقتضي تفكيكها عبر محاور تجمع بين النص التشريعي والرؤية القيادية والوعي المجتمعي  . 

أولاً : الرؤية الملكية.. المعركة هي "معركة وعي . 

لقد كان جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني أطال في عمره ،  سبّاقاً في وضع النقاط على الحروف ، حين أكّد في خطابته ومنصاته الدولية أن الحرب ضد التطرف هي : 

 "معركة الاعتدال ضد التشدد". إن رؤية جلالت ه، التي تجسدت في "الأوراق النقاشية"، تنطلق من أن مواجهة الفكر المنحرف لا تكون أمنية فحسب ، بل هي معركة فكرية ثقافية تهدف إلى حماية جوهر الدين وقيم الإنسانية ، وترسيخ مفهوم "الدولة المدنية" التي تحتكم للقانون وتنبذ الإقصاء . 
.
ثانياً: "رسالة عمّان".. المرجعية العالمية للأمن الفكري :

لم يكن إطلاق "رسالة عمّان" حدثاً فكرياً عابراً، بل جاء امتداداً لرؤية أردنية هاشمية تؤمن بأن حماية الأوطان تبدأ ببناء الوعي وترسيخ الفكر الوسطي  ،  لقد شكّلت هذه الرسالة مرجعاً عالمياً في مواجهة التكفير، ورسّخت صورة الأردن كصوت للحكمة والاتزان ، مؤكدة أن المعركة الحقيقية هي مع الجهل الذي يُسيء للدين ويحاول اختطاف صورته السمحة  . 


ثالثاً: التشريعات الأردنية.. حزمٌ في مواجهة الانحراف  : 

لم يقف المشرّع الأردني مكتوف الأيدي ؛ فقد تصدت المادة (150) من قانون العقوبات لكل ما من شأنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية ،  كما جاء قانون الجرائم الإلكترونية (2023)، وتحديداً في المادة (17)، ليضرب بيد من قانون على خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي. أما قانون منع الإرهاب، فقد وسّع نطاق التجريم ليشمل الترويج للفكر المتطرف ، إدراكاً بأن الخطر يبدأ من الفكرة قبل أن يتحول إلى فعل   . 

رابعاً: القضاء الأردني والفساد.. حماية الكيان  : 

إن القضاء الأردني ، الحارس الأمين للسلم المجتمعي ، حيث استقر في اجتهادات محكمة التمييز الموقرة على أن حرية التعبير ليست حقاً مطلقا ً، بل يحدها أمن المجتمع  ، 
 ومن جانب آخر، فإن التطرف يتغذى على الشعور بالظلم، وهنا يلتقي مع الفساد؛ فكلاهما يضعف ثقة المواطن بالدولة. لذا، فإن ترسيخ العدالة الناجزة ومحاربة الفساد هما الركيزة الأساسية لتجفيف منابع الفكر المنحرف   . 

خامساً: رسالة توعوية إلى أبناء مجتمعي (الحصن الأخير)  : 

بصفتي محامياً يرى أن رسالة المهنة تمتد لنشر الوعي القانوني وتجريد الجهل من قدسيته ،   أوجه هذه النصيحة لكل مواطن غيور : "لا تُقدّسوا الجهل ، ولا تجعلوا العواطف غطاءً لمعلومات مغلوطة  . تيقنوا من مصادركم ، واعلموا أن العقل هو خط الدفاع الأول . 

إن حب الأردن يكون باحترام نظامه وصون نسيجه الاجتماعي ، وتذكروا أن كل كلمة تنشرونها في الفضاء الرقمي هي أمانة ، والقانون وُجد ليحمي حريتكم لا ليقيدها،
 ما دامت في إطار الحق والعدل والمصلحة الوطنية العليا    .

ختاماً
إن المعركة ضد "أوثان العقل" هي معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون. سيادة القانون لا تكتمل إلا بوعي يحصّن العقول، ويجعل من الانتماء للوطن مسؤوليةً فاعلة لا مجرد شعار.
حمى الله الأردن، وطنًا عزيزًا، مهابًا بسيادة قانونه ووعي أبنائه في ظل قيادته الهاشمية الحكيمة   .