حرية الرأي والنظام العام

صنارة نيوز - 06/05/2026 - 10:58 pm  /  الكاتب - المحامي الدكتور منتصر احمد القضاة

حرية الرأي والنظام العام 

كتب المحامي الدكتور منتصر احمد القضاة ، عضو المكتب السياسي ومستشار الامين العام للشؤون القانونية والبرلمانية لحزب عزم .

الحرية ، الرأي ، التعبير ، النظام العام 

على مدى عمر الانسان ، ومنذ ان خلق الله البشر على الارض ، يسعى الافراد دائما الى التحلل من القيود ، والعيش وفق اهوائهم ورغباتهم ، فالانسان بطبيعته وفطرته التي خلقه الله عليها ، يسعى دائما لكسر اي حاجز يقيد حريته ، فأنسانية الانسان تكمن في حريته ، فأي مساس او قيد يمس هذه الحرية يعتبر تعدي على الطبيعة البشرية التي فطر الله البشر عليها .

لكن السؤال الكبير الذي يطرح في هذا المقام ، هل حرية الانسان مطلقة ؟ وهل يصح القبول بأطلاق هذه الحرية دون اي ضابط او قيد ؟

بالتأكيد الاجابة على هذه التساؤلات تكون بالنفي ، لان الحرية بدون ضوابط تعني انفالات مجتمعي ، وتعدي على حقوق الاخرين .

فالانسان خلقه الله بطبعه كائن اجتماعي ، لا يستطيع ان يحيا بمفرده ، وبالتالي وجوده داخل اي منظومة اجتماعية يعني تفاعله مع باقي افراد هذه المنظومة ، وبالتالي فأن من اهم القيود الوارده على حريته ، هي احترام حقوق باقي افراد الجماعة التي ينتمي اليها .

فالله خلق الانسان ، وانزل له التشريعات السماوية ، وهي الكتب المقدسة ، وكان اخرها التوارة والانجيل وختمت بالقران الكريم ، هذه التشريعات السماوية وجد بها من القواعد والنصوص التي تقيد حرية الانسان من اجل مصلحته الشخصية ومن اجل مصلحة الجماعة والمجتمع بشكل عام ، لكن هذه التشريعات السماوية لم تغفل حرية الفرد وانما ركزت عليها وكان اهمها ما جاء بالقرآن الكريم في قول الله العظيم ( لا اكراه في الدين )، فالاسلام اعلى وقدس حرية اعتناق الدين وعدم جواز اكراه كائن من كان على اعتناق الاسلام بدون قناعة شخصية من الفرد نفسه .

اما في العصر الحديث وفي جميع دول العالم الان ، وبوجود السلطات الرسمية في هذه الدول ، برزت الحاجة الى وجود تشريعات وضعية من صنع الانسان ، لتلبي حاجات الافراد والمجتمعات لتنظيم العلاقات المتداخلة بين الافراد ، مما ادى الى بروز فكرة النظام العام . 

ففكرة النظام العام ، هي مجموعة القواعد الاساسية داخل المجتمع الخاصة بالشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاخلاقي ، بحيث لا يجوز للافراد الاتفاق على مخالفتها ، واي اتفاق على مخالفة احكام هذه القواعد يعتبر باطلا لا تأثير له و لا يؤخذ به على الاطلاق .

ففكرة النظام العام هي فكرة قديمة جديدة ، لكنها تختلف بإختلاف المكان والزمان ، فهي غير ثابته كما هي قواعد الدين ، واهم ما قيل في وصفها ، ( مألوف زماننا غريب زمان غيرنا وغريب زماننا مألوف زمان غيرنا ) .

فالمشرع عندما يضع القواعد القانونية فأنه ابتدأ ، يراعي النظام العام للدولة ، فما هو مناسب لدولة ما يعتبر غير مناسب لغيرها ، حيث ان فكرة النظام العام ترتبط ارتباط وثيق بقواعد الدين والاخلاق والعادات والتقاليد السائد في مجتمع ما .

وما يهمنا بهذا كله ، انه برز مؤخرا العديد من الافكار التي تنادي بضرورة السماح بعادات واوضاع غريبة عن مجتمعنا العربي والاسلامي ، وسجالات ومقابلات بين اراء مختلفة منها يطالب بحرية فردية مطلقة واخرى ترغب بقيود دون قدرتها على وضع تصور منطقي لهذه القيود .

فخلاصة القول ان حرية الفرد منذ بدء الخليقة مصونه لكنها مقيدة بفكرة النظام العام ، وفكرة النظام العام كما قلنا سابقا تتأثر بشكل مباشر من الاعتقاد الديني السائد بالمجتمع ،فما هو مناسب لدولة ما غير مناسب لاخرى ، ومحاولة تصدير الافكار وجعلها عابر للقارات والبلدان ، يصطدم دائما بحاجز النظام العام ، الذي يتغير بين الحين والاخر وبفترات زمنية تكون طويلة نسبيا على الاغلب ،
(فمألوف زماننا غريب زمان غيرنا وغريب زماننا مألوف زمان غيرنا ).