هل تعيق قرابة ياسر عباس من الرئيس محمود عباس طموحه السياسي

صنارة نيوز - 05/05/2026 - 3:21 pm  /  الكاتب - د راسم بشارات

د. راسم بشارات - دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث ومحلل ومختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني.

 

 

 

 

 

يثير الحديث عن إمكانية دخول ياسر عباس إلى معترك العمل السياسي، أو ترشحه لمواقع تنظيمية متقدمة داخل حركة فتح، خاصة ما يجري من حديث عن نيته الترشح للجنة المركزية لحركة فتح، تساؤلات مشروعة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الانتماء العائلي والحق السياسي. ويتركز الجدل حول سؤال محوري: هل كون والده الرئيس محمود عباس يشكل عائقا قانونيا أو سياسيا أمام طموحه، أم أن الاعتراضات المثارة تدخل في إطار الجدل السياسي المشروع لا أكثر؟

 

للإجابة عن هذا السؤال بصورة منهجية، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى القانوني، والمستوى السياسي، والمستوى الأخلاقي المرتبط بالإدراك العام والشرعية المجتمعية.

 

 

 

أولا: من منظور المبدأ القانوني والدستوري، ليس هناك مسؤولية شخصية تترتب على الانتماء العائلي
في أي نظام سياسي يستند، ولو نظريا، إلى مبادئ المواطنة والمساواة أمام القانون، لا يجوز تحميل الفرد تبعات موقع عائلته أو خلفيته الأسرية. وعليه، فإن ياسر عباس لا يمكن أن يدان سياسيا أو قانونيا لمجرد كونه ابن الرئيس.

 

القاعدة الأساسية في النظم السياسية الحديثة تقوم على أن التقييم يجب أن يستند إلى الكفاءة، والسلوك العام، والقدرة على الإنجاز، والسجل الشخصي، لا إلى الاعتبارات الوراثية أو الروابط الأسرية. ولو جرى تبني معيار يستبعد أبناء المسؤولين من العمل العام لمجرد صلتهم العائلية، لكان ذلك شكلا من أشكال التمييز الذي يتعارض مع جوهر المساواة السياسية.

 

وبالتالي، فإن مسألة قرابته من رأس السلطة لا تمثل في ذاتها سببا مشروعا لنزع أهليته السياسية.

 

 

 

ثانيا: الحق في العمل السياسي مكفول، ولا يوجد أساس ديمقراطي يمنع أقارب القادة من الترشح أو المشاركة
الأنظمة الديمقراطية، سواء كانت راسخة أو ناشئة، لا تتبنى مبدأ حرمان أقارب الرؤساء أو كبار المسؤولين من ممارسة العمل السياسي. على العكس، التاريخ السياسي العالمي مليء بأمثلة لأبناء أو أقارب قادة خاضوا العمل العام، امثال إنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو في الهند، وبنظير بوتو ابنة ذوالفقار علي بوتو في باكستان، وكانت أول امرأة تقود حكومة في دولة إسلامية. وفي الغرب برز الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش نجل الرئيس جورج بوش الأب، وجاستن ترودو رئيس وزراء كندا نجل بيير ترودو، وفي فرنسا برزت مارين لوبان ابنة جان ماري لوبان.

 

المعيار الحاسم هنا ليس صلة القرابة، بل كيفية توظيف هذه الصلة. فإذا كانت العلاقة العائلية تشكل مجرد معطى اجتماعي لا يترتب عليه امتياز سياسي غير مشروع، فإن المشاركة السياسية تظل حقا كاملا ومشروعا. أما إذا تحولت هذه العلاقة إلى أداة للحصول على مواقع أو نفوذ خارج آليات التنافس الطبيعي، فإن الإشكال يصبح متعلقا بممارسات محددة، لا بالشخص أو أصله العائلي. وعليه، لا يوجد منطق ديمقراطي سليم يمنع ياسر عباس من خوض العمل السياسي فقط لأنه ابن الرئيس.

 

 

 

ثالثا: من الناحية القانونية الفلسطينية، لا يوجد نص صريح يمنع ذلك
عند النظر في الإطار القانوني الفلسطيني، لا نجد نصا قانونيا يمنع أبناء أو أقارب المسؤولين من:

 

● الترشح للمواقع التنظيمية داخل الأحزاب والفصائل
● التنافس على المناصب السياسية
● تولي المسؤوليات العامة متى توفرت الشروط القانونية والتنظيمية اللازمة
فالقانون الفلسطيني لا يقوم على فكرة الاستبعاد العائلي، بل ينظم العمل العام من خلال معايير تتعلق بالأهلية، والاختصاص، والإجراءات القانونية، وهنا تكمن النقطة الجوهرية: القانون لا يجرم صلة القرابة.

 

 

 

رابعا: الإشكالية الأساسية ليست قانونية، بل سياسية تتعلق بالشرعية والإدراك العام
رغم غياب أي مانع قانوني، فإن الواقع السياسي أكثر تعقيدا. إذ أنه داخل حركة فتح، وضمن البيئة السياسية الفلسطينية عموما، تلعب الصورة الذهنية والانطباع العام دورا لا يقل أهمية عن النصوص القانونية.

 

لذا فإن أي صعود سياسي لياسر عباس سيكون عرضة لتفسيرات متعددة، أبرزها احتمال قراءته باعتباره امتدادا مباشرا لنفوذ والده، حتى لو تحقق عبر آليات تنظيمية سليمة، وهذا خطأ.

 

وتنبع هذه الحساسية من عدة اعتبارات:

 

أولا، أن البيئة السياسية الفلسطينية شديدة الحساسية تجاه أي مظهر يمكن تأويله كإعادة إنتاج للنفوذ الشخصي أو العائلي.

 

ثانيا، أن المنافسة داخل فتح لا تحسم فقط عبر الإجراءات الشكلية، بل عبر الشرعية النضالية والتنظيمية والتاريخ الشخصي داخل الحركة.

 

ثالثا، أن الخصوم السياسيين، داخل الحركة وخارجها، سيوظفون هذه المسألة باعتبارها نقطة ضغط وتشكيك مستمرة. وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهه لا يكمن في القانون، بل في عبء الإثبات السياسي، بالتالي لماذا تتم إدانته مسبقا دون منحه الفرصة.

 

 

 

خامسا: هل ينبغي أن يوقف ذلك طموحه السياسي؟
من الناحية الواقعية، لا يوجد ما يبرر أن يتخلى أي شخص عن حقه في العمل السياسي بسبب خلفيته العائلية. غير أن هذه الخلفية تفرض عليه شروطًا أكثر صرامة من غيره.

 

إذا أراد ياسر عباس أن يبني حضورا سياسيا مقنعا، فسيكون مطالبا بما هو أبعد من الحد الأدنى المطلوب من أي مرشح آخر، من خلال:

 

● تقديم سجل واضح من الإنجاز العملي القابل للتقييم الموضوعي
● بناء قاعدة دعم حقيقية داخل الأطر التنظيمية.
● إظهار قدر ملموس من الاستقلالية في الرؤية والموقف
● إثبات أن حضوره نابع من كفاءة سياسية وإدارية، لا من الامتداد العائلي
ففي الحالات المشابهة، لا يكفي أن يكون الصعود قانونيا؛ بل يجب أن يكون مقنعا سياسيا وأخلاقيا.

 

 

الخلاصة
لا يوجد، من الناحية القانونية الفلسطينية، أي مانع يحول دون دخول ياسر عباس إلى العمل السياسي أو ترشحه لمواقع تنظيمية داخل حركة فتح. كما أن صلته العائلية بالرئيس لا تشكل، من حيث المبدأ، سببا مشروعا لإقصائه أو التشكيك المسبق في حقه.

 

غير أن الشرعية السياسية لا تمنح بالنصوص وحدها، بل يتم بناؤها عبر القدرة على إقناع الفاعلين السياسيين والجمهور بأنه يمثل إضافة حقيقية للمشهد السياسي.

 

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل يحق له أن يدخل السياسة؟ بل: هل يستطيع أن يثبت أن حضوره فيها يستند إلى الاستحقاق لا إلى القرابة؟ وهذا سؤال لا يجيب عنه القانون، ولا من يشككون، بل تجيب عنه الممارسة السياسية نفسها. وفي الختام ليمنح ياسر عباس الفرصة كغيره من أبناء الحركة ليثبت نفسه أو يختفي من المشهد.