مراسم العزاء: حين نختصر الأيام… ونمدّ المصاريف!

صنارة نيوز - 03/05/2026 - 9:43 am

بقلم :  منار الزواهرة 

"اختصرنا العزاء ليومين… ففتحنا موسم زيارات مفتوح، لا يُغلق إلا حين ينفد البن!"

في محاولةٍ جماعية أنيقة لتخفيف المصاريف، قررنا – بكل حب وتعاون – أن يكون العزاء يومين فقط. فكرة عظيمة على الورق: ضغط النفقات، تقليل الجهد، وإعطاء أهل الفقيد فرصة لالتقاط أنفاسهم.

لكن على أرض الواقع؟
يبدو أننا اخترعنا نسخة مطوّرة من العزاء… بنظام "الدوام الجزئي طويل الأمد".

ينتهي اليوم الثاني، تُفك الخيمة، تُطوى الكراسي، ويجلس أهل الفقيد لأول مرة منذ أيام وهم يقولون في سرّهم:
"الحمد لله… خلصنا."

وهنا… يبدأ الجزء الحقيقي من البرنامج.

اليوم الثالث:
"إحنا ما لحقنا نحضر…"

اليوم الرابع:
"والله كنا مشغولين…"

اليوم الخامس:
"مرّينا من عندكم…"

وهكذا، يتحول العزاء من "يومين رسميين" إلى "اشتراك مفتوح بدون تاريخ انتهاء"، مع خدمة قهوة تعمل 24 ساعة بنظام الطوارئ.

الطريف – أو المؤلم بلطف – أن أهل الفقيد يتحولون تدريجيًا إلى موظفي استقبال بدوام كامل:
ابتسامة خفيفة…
"الله يسلمك" تُقال عشرات المرات…
ومهارة خارقة في تقدير كمية القهوة قبل أن تُسكب.

لكن هناك تفاصيل صغيرة… تتكرر بحماس:

أولها: السؤال الذي لا يتقاعد أبدًا:
"كيف صار؟ شو اللي صار بالضبط؟"

ليتحول أهل الفقيد – دون قصد – إلى رواة رسميين لقصة الفقد، يعيدون سردها مرة بعد مرة، وكأن الحزن لا يكفي… بل يجب شرحه أيضًا.

وثانيها… طقس لا يقل حضورًا:
السلام بنظام “التبويس المتدرّج”.

تبويس… ثم تبويس احتياطي…
ثم تبويس للتأكيد…
وأحيانًا تبويس بنكهة "اشتقنالك من زمان"!

ليتحول السلام من لحظة مواساة بسيطة…
إلى بروتوكول اجتماعي يحتاج للياقة وتنظيم أدوار،
خصوصًا عندما يكون الطابور طويل… والتعب أطول.

أما الراحة؟
فهي ضيفٌ لم يجد وقتًا ليزور.

لأن الحقيقة التي ننسى الاعتراف بها:
أهل الميت لا يحتاجون فقط إلى التعاطف… بل إلى الراحة أيضًا.
راحة من الوقوف، من الحديث، من إعادة نفس الجملة،
ومن إعادة نفس القصة… ونفس السلام… مرارًا وتكرارًا.

هم بحاجة لوقتٍ يجلسون فيه…
بلا مجاملات…
بلا أسئلة…
وبلا "جولة تبويس" إضافية.

والمفارقة الأجمل:
اختصرنا المصاريف رسميًا…
لكن استهلاك القهوة والطاقة البشرية ارتفع لمستوى لا يمكن تفسيره!

كل هذا لا يقلل أبدًا من قيمة النية الطيبة، فالجميع يأتي بدافع المحبة، وهذا هو الأصل الجميل في مجتمعاتنا.
لكن ربما نحتاج فقط إلى إعادة ضبط بسيطة:

أن نفهم أن المواساة لا تُقاس بعدد الزيارات،
ولا بطول الجلوس،
ولا بعدد الأسئلة،
ولا بعدد "البوسات".

أحيانًا، أجمل عزاء هو:
زيارة خفيفة…
كلمة صادقة…
وصمت ذكي يعرف متى يواسي دون أن يُتعب.

في النهاية، العزاء ليس مناسبة لإثبات الحضور الاجتماعي،
بل لحظة إنسانية تحتاج خفة… وفهم… وتوقيت دقيق.

لأن أهل الفقيد لا يحتاجون فقط من يقف معهم…
بل يحتاجون أيضًا من يعرف متى يكتفي…
ومتى يترك لهم مساحة للراحة.

خفّوا عليهم وسلامتكوا