قاقيش تكتب : الإصلاح العادل أولاً …قبل تعديل سن التقاعد
صنارة نيوز - 21/02/2026 - 2:06 pm
كتب : حنان قاقيش
لم أكن يوماً
ممن يسيئون إلى وطنٍ عشت بخيره وأمانه وعزّته، وعاش فيه أجدادي، وأسأل الله أن يعيش فيه أبنائي وأحفادي من بعدي. انتمائي لهذا الوطن ليس شعوراً عابراً، بل قناعة راسخة ومسؤولية أعتز بها، تدفعني للحرص على مستقبله والدفاع عن حقوق أبنائه بإخلاص.
ولكن.. التعديلات الأخيرة على نظام الضمان الاجتماعي أثارت في نفسي قلقاً عميقاً وتساؤلات مشروعة.
حين يشعر المواطن بأن الحلول الاقتصادية تُبنى على حسابه، وأن جيبه هو المسار الأسهل لسد أي عجز، ينشأ إحباط وفقدان للثقة. الموظف الذي يسعى لتأمين لقمة عيشه، وتربية أبنائه، وتأهيلهم لدخول سوق العمل، ليس الحلقة الأضعف التي يُعاد تحميلها كلفة كل إصلاح.
والسؤال الجوهري هنا: كيف يمكن تمكين الشباب وخلق فرص عمل، بينما يُدفع موظفون كثيرون للبقاء في وظائفهم حتى آخر سنوات العمر المُمكنة؟ أي سوق عمل سيستوعب الخريجين الجدد إذا أُغلقت أمامهم المنافذ الطبيعية للتدرّج الوظيفي؟
إذا كان متوسط عمر الإنسان في الأردن يقارب 78 عاماً، علماً بأن هذا رقم نظري لا يأخذ بعين الاعتبار التحديات الصحية والضغوط الحياتية التي قد يُعاني منها أي مواطن. كم عاماً يتبقى ليستمتع الإنسان بثمرة جهده؟ وكم سيدفع من عمره قبل أن يحصل على حقه في تقاعدٍ كريم؟
الإصلاح ضرورة وطنية لا يختلف عليها اثنان، بل هو شرط أساسي لاستدامة الاقتصاد وتعزيز الثقة بالمؤسسات. غير أن نجاح أي إصلاح لا يُقاس فقط بقدرته على معالجة الأرقام، بل بمدى عدالته في توزيع الأعباء وحمايته للفئات الأكثر التزاماً والأقل قدرة على الاحتمال.
العدالة في توزيع أعباء الإصلاح تعني ألا يُنظر إلى جيب الموظف باعتباره الخيار الأسرع، ولا إلى المواطن باعتباره المورد الأسهل. بل تعني أن يبدأ الإصلاح من الداخل: من مراجعة أولويات الإنفاق العام، وتقييم جدوى المشاريع والبرامج، وضبط المصاريف الإدارية، وترشيد النفقات التشغيلية التي لا تنعكس مباشرة على جودة حياة الناس.
كما تعني إعادة النظر في الامتيازات والمخصصات التي لا تنسجم مع واقع غالبية المواطنين، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، بحيث يشعر المواطن أن كل دينار يُدفع منه يُدار بمسؤولية وكفاءة.
الإصلاح الحقيقي هو الذي يوزّع المسؤولية بعدالة، ويُشرك المجتمع في فهم التحديات والحلول، ويعزّز الثقة بدل أن يرهقها. فحين يشعر المواطن أن العبء موزع بإنصاف، يصبح شريكاً في الحل لا متلقياً لنتائجه فقط.
القضية ليست رفضاً للإصلاح، بل مطالبة بإصلاح متوازن يحفظ كرامة المواطن ويصون مستقبل الأجيال القادمة!




