من يكتب مستقبل الشرق الأوسط؟
صنارة نيوز - 16/06/2026 - 11:30 pm / الكاتب - بن معمر الحاج عيسى- الجزائر
في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائماً بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل كثيراً ما تنتهي بإعلانات نصر متزامنة ترفعها جميع الأطراف، فيما تبقى الحقيقة معلقة بين الوقائع والمصالح وموازين القوى. هكذا بدا المشهد عقب الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير؛ فطهران سارعت إلى تقديم الاتفاق بوصفه دليلاً على فشل الضغوط العسكرية والسياسية في كسر إرادتها أو إخضاع نظامها، مؤكدة أنها صمدت أمام واحدة من أعقد حملات الاستهداف التي واجهتها منذ عقود. وفي المقابل، تحدثت واشنطن عن نجاح استراتيجية الردع والضغط في دفع إيران إلى طاولة التفاوض والقبول بمقاربات جديدة تتعلق بملفها النووي ودورها الإقليمي. أما إسرائيل، التي ظلت لسنوات رأس الحربة في مواجهة المشروع الإيراني، فقد بدت أقل حماساً للاحتفال وأكثر ميلاً إلى الترقب والحذر، وكأنها تدرك أن ما تحقق لا يطابق تماماً ما كانت تسعى إليه. وبين هذه الروايات المتضاربة يبرز السؤال الأهم: إذا كان الجميع قد أعلن الانتصار، فمن الذي خسر فعلاً؟ والحقيقة أن الإجابة لا توجد في البيانات الرسمية ولا في المؤتمرات الصحفية ولا في الخطابات الموجهة للرأي العام، بل في النتائج التي ستفرزها المرحلة المقبلة. فالوقائع تشير إلى أن أياً من الأطراف لم ينجح في فرض إرادته كاملة على خصمه، وأن الجميع اضطر في نهاية المطاف إلى الاعتراف بحدود القوة مهما بلغ حجمها. لقد أثبتت هذه الجولة من الصراع أن القوة العسكرية، رغم أهميتها، لم تعد أداة كافية لصناعة الحسم السياسي النهائي. فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من تفوق استراتيجي واقتصادي وعسكري هائل، لم تستطع انتزاع استسلام إيراني كامل أو فرض تغيير جذري في بنية النظام السياسي الإيراني. وفي المقابل، لم تتمكن إيران من تحويل قدرتها على الصمود إلى انتصار استراتيجي يفرض شروطها كاملة أو يكرس هيمنة إقليمية بلا منازع. ولهذا انتهى الطرفان إلى الحقيقة التي تنتهي إليها معظم الصراعات الكبرى: التفاوض ليس علامة ضعف، بل اعتراف متبادل بأن كلفة المواجهة أصبحت أكبر من قدرة الجميع على تحملها.
غير أن القراءة العميقة لهذا الاتفاق لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الملف النووي، لأن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات الكبرى غالباً ما تحمل في طياتها ما هو أبعد من العناوين المعلنة. فالقضايا التقنية المتعلقة بالتخصيب والرقابة والالتزامات النووية ليست سوى جزء من صورة أكبر تتعلق بإعادة تنظيم العلاقات الإقليمية ومنع انفجار شامل قد يهدد مصالح جميع الأطراف. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل يتعلق بشكل المنطقة التي يجري إعدادها خلف أبواب التفاوض المغلقة. فالعراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج والبحر الأحمر ليست ملفات منفصلة عن هذا الاتفاق، بل هي ساحات أساسية لأي تفاهم استراتيجي بين واشنطن وطهران. وما يجري اليوم قد يكون انتقالاً من مرحلة الصدام المفتوح إلى مرحلة إدارة التنافس، أو ربما بداية لإعادة توزيع النفوذ وفق قواعد جديدة تراعي توازنات القوة ومصالح اللاعبين الكبار. ومن هنا فإن أهمية الاتفاق لا تكمن في بنوده المعلنة فقط، بل في الرسائل التي يبعثها إلى المنطقة بأكملها حول طبيعة المرحلة المقبلة.
وفي قلب هذه التحولات تقف إسرائيل أمام معادلة معقدة. فمنذ سنوات طويلة بنت استراتيجيتها على اعتبار إيران التهديد الأكبر للأمن الإقليمي، وسعت باستمرار إلى دفع الولايات المتحدة نحو سياسات أكثر تشدداً تنتهي بإضعاف القدرات الإيرانية أو تفكيكها. غير أن المؤشرات الأولية توحي بأن إيران لم تُعامل باعتبارها دولة مهزومة، ولم تُقصَ من معادلة النفوذ الإقليمي، بل جرى التعامل معها كقوة قائمة لا يمكن تجاوزها. وهذا التطور، مهما حاولت إسرائيل التكيف معه، يطرح عليها أسئلة استراتيجية عميقة تتعلق بمستقبل توازنات القوة في المنطقة، وحدود قدرتها على التأثير في القرارات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط.
لكن وسط كل هذا الحراك السياسي والاستراتيجي تبقى القضية الفلسطينية هي الغائب الأكبر عن مشهد التفاهمات الكبرى. ففي الوقت الذي تنشغل فيه القوى الدولية والإقليمية بإعادة ترتيب خرائط النفوذ وتأمين خطوط الطاقة والممرات التجارية وصياغة معادلات الأمن الإقليمي، يواصل الشعب الفلسطيني مواجهة الاحتلال والحصار والاستيطان والحروب المتكررة. وتبرز هنا المخاوف القديمة المتجددة من أن تتحول فلسطين مرة أخرى إلى ملف مؤجل على هامش الصفقات الكبرى. لقد اعتادت المنطقة عبر عقود طويلة أن تشهد تفاهمات وتحالفات وتسويات يعاد من خلالها توزيع النفوذ والمصالح، بينما تبقى القضية الفلسطينية خارج الأولويات الفعلية لصناع القرار. ولذلك فإن السؤال الفلسطيني الأكثر إلحاحاً اليوم ليس ما الذي كسبته إيران أو أمريكا من الاتفاق، بل ما إذا كانت فلسطين ستكون جزءاً من النظام الإقليمي الجديد الذي يجري التفاوض عليه، أم أنها ستظل مرة أخرى ضحية الحسابات الدولية والإقليمية.
ومن زاوية عربية أوسع، يفرض الاتفاق تساؤلات لا تقل أهمية. فالقوى الكبرى والإقليمية تتفاوض عندما تقتضي مصالحها ذلك، وتتجاوز خلافاتها عندما تدرك أن كلفة الصراع أصبحت مرتفعة، بينما لا يزال العالم العربي في كثير من الأحيان يتعامل مع التحولات الكبرى بوصفه ساحة تتقاطع فوقها المشاريع لا قوة فاعلة تشارك في رسمها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ ليس في الاتفاق ذاته، بل في غياب رؤية عربية موحدة وقادرة على التأثير في مخرجاته. فالتاريخ لا يرحم الفراغات الاستراتيجية، وكل مساحة يتركها أصحابها سرعان ما تملؤها قوى أخرى أكثر تنظيماً وقدرة على حماية مصالحها. ولذلك فإن السؤال العربي اليوم لا يتعلق بموقف التأييد أو الرفض، بل بمدى القدرة على تحويل التحولات الجارية إلى فرص تحفظ الأمن القومي العربي وتمنع تهميش المصالح العربية في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة.
وربما يكون من المبكر الحديث عن شرق أوسط جديد بالمعنى الكامل للكلمة، لكن من الواضح أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة مختلفة عن سنوات المواجهة المفتوحة والتصعيد المستمر. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل أي سلام يجري الإعداد له، ومن سيكون المستفيد الأكبر من نتائجه. فالسلام ليس مجرد غياب للمعارك، بل هو إعادة توزيع للقوة والمصالح والنفوذ. والاتفاقات الكبرى لا تُقاس بقيمة التوقيع عليها، وإنما بما تنتجه بعد سنوات من التطبيق. عندها فقط سيتضح ما إذا كان هذا التفاهم قد أسس لاستقرار حقيقي يعالج جذور الأزمات، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة فرضتها حسابات الإرهاق المتبادل والخوف من الانفجار الشامل.
وفي النهاية، قد لا يكون أهم ما كشفه الاتفاق الأمريكي الإيراني هو حجم المكاسب التي حققها هذا الطرف أو ذاك، بل الحقيقة الأعمق التي تقول إن الشرق الأوسط دخل مرة أخرى مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوة. وبين ضجيج الانتصارات المعلنة وصور المصافحات والبيانات الرسمية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً فوق المنطقة كلها: هل نحن أمام خطوة تفتح الطريق نحو سلام عادل واستقرار شامل يراعي حقوق الشعوب وقضاياها العادلة، أم أمام تسوية جديدة تتقاسم فيها القوى الكبرى المكاسب فيما تدفع الشعوب الثمن؟ ذلك هو السؤال الذي سيحكم عليه التاريخ، لأن التاريخ لا يتذكر كثيراً من أعلن النصر أولاً، بل يتذكر دائماً من نجح في صناعة المستقبل.




