كيف يمكن أن تتأثر سلاسل الإمداد الدوائي في الأردن؟
صنارة نيوز - 09/03/2026 - 12:46 pm
الصناره نيوز - خاص
في أوقات الأزمات الكبرى، لا تبدأ المخاطر الصحية داخل المستشفيات، بل في أماكن أبعد بكثير: الموانئ، خطوط الشحن، ومصانع المواد الخام. فالدواء، رغم طبيعته الطبية، يعتمد في الواقع على منظومة اقتصادية ولوجستية عالمية معقدة. ولهذا السبب أصبح استقرار سلاسل التوريد الدوائية جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الصحي للدول. وفي حالة الأردن، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية في ظل الاعتماد النسبي على شبكات توريد دولية قد تتأثر سريعًا بأي اضطراب جيوسياسي أو اقتصادي.
يمتلك الأردن واحدًا من أكثر القطاعات الدوائية تقدمًا في المنطقة. فبحسب بيانات رسمية، تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية للقطاع نحو 2.2 مليار دينار أردني، ويضم القطاع قرابة 139 منشأة صناعية توفر نحو 9500 فرصة عمل مباشرة. كما يغطي الإنتاج المحلي ما يزيد على 63% من احتياجات السوق المحلية من الأدوية، فيما تصل صادرات الأدوية الأردنية إلى أكثر من 78 دولة حول العالم. وقد بلغت قيمة الصادرات الدوائية نحو 611 مليون دينار في عام 2024، مسجلة نموًا يقارب 14.8% مقارنة بالعام السابق، بينما بلغت الصادرات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 471 مليون دينار.
هذه المؤشرات تعكس قاعدة صناعية قوية وقدرة تصديرية متنامية، لكنها لا تعني أن منظومة الإمداد الدوائي في المملكة محصنة بالكامل ضد الاضطرابات الخارجية. فالصناعة الدوائية الحديثة تعتمد على شبكة إنتاج عالمية مترابطة، حيث تُصنّع نسبة كبيرة من المواد الخام الدوائية الفعالة في عدد محدود من الدول، أبرزها الصين والهند، قبل أن تُنقل إلى مصانع الأدوية حول العالم لإجراء عمليات التصنيع النهائية.
وفي الحالة الأردنية، تعتمد الشركات الدوائية بدرجات متفاوتة على استيراد المواد الخام والمكونات الكيميائية الأساسية من الخارج. كما أن جزءًا مهمًا من الإنفاق الدوائي في المملكة يذهب إلى الأدوية المستوردة، خصوصًا في المجالات العلاجية المتقدمة مثل الأدوية البيولوجية والعلاجات المتخصصة. وتشير تقديرات القطاع إلى أن ما يقارب 60% من الإنفاق الدوائي في الأردن يرتبط بأدوية مستوردة أو تعتمد على مكونات يتم استيرادها من الخارج.
هذا الارتباط بسلاسل التوريد الدولية يجعل القطاع الدوائي عرضة لضغوط محتملة في حال حدوث اضطرابات في التجارة العالمية أو في حركة النقل الدولي. فالمواد الخام الدوائية تُنقل في الغالب عبر الشحن البحري، وهو المسار الأكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية. أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية – مثل البحر الأحمر أو مضيق هرمز أو قناة السويس – قد يؤدي إلى إطالة زمن الشحن أو ارتفاع تكاليف النقل، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج أو على سرعة وصول الإمدادات إلى الأسواق.
وتظهر المخاطر بشكل أكبر عندما تتعرض أكثر من حلقة في سلسلة التوريد للضغط في الوقت ذاته. فقد أظهرت تجربة جائحة كورونا كيف يمكن لتعطل الإنتاج في دولة واحدة أو إغلاق موانئ رئيسية أن يخلق تأثيرًا متسلسلًا يمتد عبر عدة قارات. وفي تلك الفترة شهدت العديد من الدول نقصًا في بعض الأدوية الأساسية، ليس فقط بسبب توقف المصانع، بل نتيجة اختناقات النقل وارتفاع الطلب العالمي في آن واحد.
في السياق الأردني، قد تأخذ هذه الضغوط عدة أشكال، أبرزها تأخر وصول المواد الخام اللازمة للتصنيع المحلي، أو تأخير شحنات الأدوية المستوردة، خصوصًا تلك التي تعتمد على عدد محدود من الموردين الدوليين. كما قد تؤدي الزيادات المفاجئة في تكاليف الشحن والطاقة إلى رفع كلفة الإنتاج أو الاستيراد، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار الأدوية أو على مستويات المخزون في السوق.
ومع ذلك، فإن امتلاك الأردن لقاعدة صناعية دوائية متقدمة وشبكة توزيع واسعة يمنحه قدرًا مهمًا من المرونة في التعامل مع هذه الضغوط. غير أن التجارب الدولية في السنوات الأخيرة أظهرت أن قوة الصناعة المحلية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار الكامل للإمدادات الدوائية، ما دامت المواد الخام الأساسية وسلاسل النقل مرتبطة بأسواق عالمية شديدة التقلب.
في عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتتعرض فيه طرق التجارة الدولية لاختبارات متكررة، لم يعد الأمن الدوائي مجرد قضية صحية، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني. ومن هذا المنظور، فإن قدرة الدول على فهم نقاط الضعف في سلاسل التوريد الدوائية وإدارة مخاطرها قد تصبح أحد أهم عوامل حماية الاستقرار الصحي والاجتماعي في أوقات الأزمات.




