الاقتصاد قبل الصواريخ: عاملان قد يحددان قرار واشنطن في الحرب مع إيران

صنارة نيوز - 08/03/2026 - 1:10 pm

الصناره نيوز - خاص

 

 

 

في خضم الضجيج العسكري والإعلامي الذي يحيط بالمواجهة مع إيران، يميل كثير من التحليل العام إلى التركيز على القدرات العسكرية، عدد الصواريخ، أو حجم الضربات المتبادلة. غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق داخل الولايات المتحدة تكشف أن القرار الأميركي لا يتحدد فقط في غرف العمليات العسكرية، بل يتأثر أيضاً بعوامل داخلية معقدة قد تكون أكثر تأثيراً من ميدان القتال نفسه. ومن خلال متابعة النقاشات والتحليلات التي تنشرها صحيفة The Washington Post، يتضح أن عاملين داخليين يبرزان اليوم بوصفهما الأكثر قدرة على التأثير في حسابات البيت الأبيض: صدمة أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، والخشية من الانجرار إلى حرب إقليمية طويلة متعددة الجبهات.

العامل الأول: صدمة الطاقة والضغط الاقتصادي الداخلي

في السياسة الأميركية، يمثل سعر البنزين مؤشراً سياسياً حساساً إلى حد استثنائي. فالمواطن الأميركي يلمس هذا السعر يومياً في محطات الوقود، ويعدّه مؤشراً مباشراً على أداء الإدارة الحاكمة. ولهذا السبب تتابع الإدارات الأميركية عادة تحركات أسعار الطاقة بدقة شديدة، لأن أي ارتفاع سريع يمكن أن يتحول خلال أيام إلى قضية سياسية داخلية تضغط على البيت الأبيض والكونغرس معاً.

الحروب في الشرق الأوسط لطالما ارتبطت تاريخياً باضطرابات في أسواق النفط العالمية. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر في الخليج، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، يمكن أن يؤدي إلى قفزات سريعة في أسعار النفط حتى لو لم تتوقف الإمدادات فعلياً. ويعود ذلك إلى أن الأسواق المالية تتفاعل مع التوقعات والمخاطر المستقبلية بقدر ما تتفاعل مع الوقائع القائمة.

هنا تكمن الحساسية الكبرى بالنسبة لواشنطن. ارتفاع أسعار النفط العالمية ينعكس سريعاً على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى زيادة التضخم وإثارة قلق اقتصادي واسع بين الناخبين. وتشير تحليلات اقتصادية نُشرت في The Washington Post إلى أن استمرار التوتر العسكري في الخليج قد يدفع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات تضغط بشدة على الاقتصاد وعلى المزاج العام للناخبين.

الاقتصاد كان دائماً أحد أكثر العوامل تأثيراً في مصير الرؤساء الأميركيين. فالتاريخ السياسي الأميركي يظهر أن الأزمات الاقتصادية غالباً ما تكون العامل الأكثر حسماً في تراجع شعبية أي إدارة. ولذلك يدرك صانع القرار في واشنطن أن أي حرب تؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة قد ترتد سريعاً إلى الداخل الأميركي، وتحوّل المواجهة الخارجية إلى أزمة سياسية داخلية.

من هذا المنطلق، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط أو حدوث صدمة طاقة عالمية قد يدفع البيت الأبيض إلى البحث عن مسارات لاحتواء التصعيد بدلاً من توسيعه. فحتى الإدارات التي تتبنى موقفاً متشدداً تجاه خصومها الخارجيين تبقى مقيدة بحسابات الاقتصاد الداخلي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسعار الوقود والتضخم.

العامل الثاني: الخشية من حرب استنزاف إقليمية

إلى جانب العامل الاقتصادي، يظهر عامل استراتيجي آخر يقلق المؤسسة الأمنية الأميركية، ويتمثل في احتمال الانجرار إلى حرب إقليمية طويلة متعددة الجبهات. هذا القلق لا يتعلق بضربة عسكرية محدودة أو مواجهة قصيرة، بل باحتمال تحول التصعيد التدريجي إلى صراع واسع يصعب احتواؤه.

في تقديرات عدد من المحللين الأميركيين، المشكلة الأساسية في أي حرب مع إيران ليست في بدايتها، بل في مسارها اللاحق. فإيران ليست دولة صغيرة يمكن حسم المواجهة معها بضربة واحدة، بل قوة إقليمية كبيرة تمتلك شبكة واسعة من القدرات العسكرية والأدوات غير التقليدية التي يمكن استخدامها في أكثر من مسرح.

هذا يعني أن المواجهة قد تمتد إلى ساحات متعددة في المنطقة، ما يفرض على الولايات المتحدة التعامل مع بيئة عمليات معقدة. وجود قواعد عسكرية أميركية وقوات منتشرة في الشرق الأوسط يزيد من حساسية هذا الاحتمال، لأن أي استهداف لهذه القوات قد يفرض على واشنطن ردوداً تصعيدية إضافية، ما يخلق حلقة من الردود المتبادلة يصعب كسرها.

كما أن المؤسسة العسكرية الأميركية تحمل تجربة طويلة مع الحروب الممتدة في الشرق الأوسط. فقد استمرت حربا العراق وأفغانستان لسنوات طويلة، واستنزفتا موارد عسكرية ومالية ضخمة. لذلك تميل قطاعات واسعة داخل البنتاغون إلى تجنب الانخراط في صراع طويل جديد في المنطقة، خاصة في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تحويل تركيزها الاستراتيجي نحو آسيا ومنافسة الصين.

هناك أيضاً معضلة الهدف الاستراتيجي النهائي. ففي أي حرب مع إيران يبرز سؤال أساسي: ما الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه بالضبط؟ هل الهدف هو ردع إيران فقط؟ أم تدمير برنامجها النووي؟ أم تغيير سلوكها الإقليمي؟ أم إسقاط النظام نفسه؟ كلما كانت الأهداف غير محددة بوضوح، زادت احتمالات أن تتحول الحرب إلى صراع طويل بلا نهاية واضحة.توازن دقيق بين الردع والاحتواء

عند الجمع بين هذين العاملين – صدمة الطاقة المحتملة والخشية من حرب استنزاف إقليمية – يتضح أن صانع القرار الأميركي يعمل ضمن معادلة دقيقة للغاية. فمن جهة، ترغب واشنطن في الحفاظ على قدرتها الردعية وإظهار الحزم في مواجهة إيران. ومن جهة أخرى، تدرك أن التصعيد غير المنضبط قد يقود إلى نتائج استراتيجية معاكسة لمصالحها.

لهذا السبب غالباً ما تميل السياسة الأميركية في مثل هذه الأزمات إلى ما يمكن وصفه بسياسة “الضغط المحسوب”. أي استخدام القوة العسكرية بشكل محدود ومدروس لتحقيق أهداف ردعية، مع تجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى توسع الحرب بشكل غير قابل للسيطرة.

في النهاية، قد تبدو الصواريخ والطائرات الحربية هي العناصر الأكثر وضوحاً في أي مواجهة عسكرية، لكن القرارات الكبرى في واشنطن كثيراً ما تتحدد بعوامل أقل ظهوراً. صدمة الطاقة داخل الاقتصاد الأميركي، والخوف من الانجرار إلى حرب إقليمية طويلة، يمثلان اليوم عاملين أساسيين في حسابات القرار الأميركي تجاه إيران.

وبين هذين العاملين يتحرك صانع القرار في واشنطن محاولاً تحقيق توازن دقيق: الحفاظ على الردع دون إشعال حرب واسعة، وإدارة المواجهة الخارجية دون دفع الاقتصاد الأميركي إلى أزمة داخلية. وفي عالم السياسة الدولية، كثيراً ما تكون هذه الحسابات الداخلية هي التي تحدد في النهاية مسار الحروب قبل أن تحدده نتائج المعارك.