فلسفة المصارف الإسلامية

صنارة نيوز - 03/04/2025 - 8:54 am

عمر سعد سلمان

برز في النصف الثاني من القرن الماضي مصطلح المصارف الإسلامية كنظام مصرفي له اصوله ومبادئه وقواعده المستقلة، وأصبحت الصناعة المالية الإسلامية اليوم واقعاً ماثلاً للعيان، تحتل مكانة متميزة في النظام المالي العالمي، وتميزت المصارف الإسلامية عن المصارف التجارية بفلسفتها واساليبها الاستثمارية التي واكبت النظام المالي الحديث وبما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، حيث قامت بتوظيف الأموال واستثمارها باشراك العميل بالربح والخسارة، وممارسة المتاجرة مباشرة، بخلاف المصارف التجارية. 
وقد حظيت المصارف الإسلامية بأهتمام العديد من دول العالم المتقدم، نتيجة لما حققته من نجاحات كبيرة في إدارة الأموال بما يحقق التنمية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخول وبشكل يتوافق مع متطلبات الاستقرار النقدي والاقتصادي. 
ان الكثير من المسلمين رفضوا التعامل مع البنوك التجارية التي يركز أسلوب عملها على المتاجرة في الديون بالاقتراض والاقراض اعتماداً على آلية سعر الفائدة التي حرمها الدين الإسلامي بشكل لا يقبل النقاش. الى جانب عدم اكتراث البنوك التجارية بما تقوم بتمويله من مشروعات وما تقدمه من خدمات وان كانت مخالفة لقناعات المسلمين. ولذلك فأن تأسيس البنوك الإسلامية جاء من منطلق الدعوة الى إيجاد مصارف بديلة للمصارف التجارية تقوم بتقدم الخدمات المصرفية بطرق وأساليب موافقة للشريعة الإسلامية، كما برزت الحاجة الى تأسيس مصارف تقوم بتشجيع الاستثمار وعدم الاكتناز وجذب المدخرات المعطلة التي امتنع أصحابها عن توظيفها في البنوك التجارية، وتقديمها كتمويلات لتأخذ مسارها الصحيح في الدورة الاقتصادية. وتركز المصارف الإسلامية على توظيف المال في مسار قائم على مشروعات حقيقية وليس في عقود خيارات ومشتقات او بيع وتأجير النقد الذي يعتبر حرام في نظر المسلمين وهو مسبب رئيسي لتفاقم المديونيات واختلال الاقتصاد ووقوع الازمات. 
تتميز المصارف الإسلامية عن المصارف التجارية في 3 محاور رئيسية هي أسلوب الوساطة القائم على المشاركة بالربح والخسارة فهي تعامل أصحاب الفائض المالي على انهم شركاء في عائد استثمار أموالهم وتعيد تقديمها لأصحاب العجز المالي على انهم شركاء في عائد استثمارها وليس وساطة مديونية قائمة على المتاجرة بالديون. والامر الثاني بأن طبيعة النشاط المستهدف هو الاقتصاد الحقيقي القائم على السلع والخدمات وليس النشاط المالي الذي لا يخلق ثروة حقيقية. 
والامر الأهم هو ان استحقاق العائد في المصارف الإسلامية مقترن بالمخاطرة وفق قاعدة الغنم بالغرم وليس بضمان رأس المال وتأجيره وفق سعر ثابت. 
ظهرت المصارف الإسلامية في سبعينات القرن الماضي حيث تأسس بنك دبي الإسلامي عام 1975 ثم بنك فيصل المصري وبيت التمويل الكويتي عام 1977 ثم البنك الإسلامي الأردني عام 1978 ثم توالت المصارف الإسلامية، وفي ثمانيات القرن الماضي ظهرت محاولات رائدة لأسلمة النظام المصرفي من قبل الحكومات حيث قامت حكومات (إيران، باكستان، السودان) بتحويل بنوكها المركزية للعمل وفق مبادئ الشريعة الإسلامية وظهرت مجاميع دولية إسلامية أبرزها مجموعة البركة ومجموعة بنوك فيصل. 
وفي مطلع القرن الحالي انتشرت ظاهرة التحول من البنوك التجارية الى البنوك الإسلامية مثل بنك الشارقة 2002 وبنك الجزيرة السعودي 2005، وتم تأسيس هيئة المحاسبة والمراجعة، المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وهي مؤسسات دولية داعمة للصناعة المالية الإسلامية ذات طابع اشرافي تهدف الى زيادة التنظيم وتوحيد المعايير للارتقاء بمستوى البنوك الإسلامية. 
وركزت المصارف الإسلامية على أسس وقواعد أبرزها (النقود وسيلة وليست سلعة، لا قيمة للزمن إذا لم يصاحبه عمل او انتاج، الربح مشاع % وغير مضمون، الدين لا يباع). ويعتبر المصرف الإسلامي شاملاً لأنه يقدم تمويلاته وخدماته لكافة القطاعات (التجارية، العقارية، الصناعة والزراعة) وتتصف تمويلاته بالتنوع ما بين تمويل نقدي وتمويل سلعي وتتعدد آجال تمويلاته ما بين القصير ومتوسط وطويل الاجل مما يضفي عليه صفة مؤسسة تمويلية. وتخضع كل عملياته وتعاملاته المالية الى هيئة الرقابة الشرعية للمصرف التي تكون مستقلة عن الإدارة الى جانب ان المصرف يخضع ايضاً لهيئة الرقابة الشرعية في البنك المركزي للدولة التي يعمل بها. 
من الجدير بالذكر ان البنوك الإسلامية تختلف عن البنوك التجارية في تكوين (الاحتياطات) وهي أموال مقتطعة من الأرباح لتدعيم رأس المال، حيث يقوم المصرف الإسلامي بخلط أموال المساهمين مع أموال المودعين وتوظيفها معاً، وعندما تتحقق الأرباح سيتم توزيعها على الطرفين (المساهمين وأصحاب حسابات الاستثمار) والاحتياطات طالما انها تستخدم لتدعيم رأس المال، ورأس المال يخص المساهمين فقط ولا يشارك فيه أصحاب حسابات الاستثمار فهذا يعني ان تؤخذ الاحتياطات من أرباح المساهمين فقط وليس من أرباح المصرف ككل. بحيث لا تقتطع من أرباح أصحاب حسابات الاستثمار، لأنهم شركاء مع المصرف في الربح الذي نجم عن تشغيل أموالهم، اما الاحتياطات فبما انها ستوجه لتدعيم راس المال فهي تخص المساهمين وحدهم وتعتبر حقاً من حقوقهم لذلك تؤخذ من ارباحهم هم. 
وكذلك ينطبق الحال نفسه على الأرباح المحتجزة التي تدخل ضمن حقوق المساهمين لذلك يتم اقتطاعها حصراً من أرباح المساهمين وليس من أرباح حسابات الاستثمار، بينما تكون عملية تكوين المخصصات من اجمالي أرباح المصرف (أرباح المساهمين وحسابات الاستثمار معاً) لان هذه المخصصات يتم تكوينها لغرض مواجهة الأعباء والخسائر التي قد تحصل مستقبلاً وتعتبر حساب مشترك ما بين المساهمين وأصحاب حسابات الاستثمار (المودعين) لأنها تعتبر تكلفة او انفاقاً لم يصرف بعد. وإذا ما أتيح توظيفها لحين الحاجة اليها، فان الأرباح التي قد تتولد عنها لا تضاف الى المساهمين وحدهم ولكنها تضاف الى مجمل أرباح المصرف وتوزع بين المساهمين والمودعين أصحاب حسابات الاستثمار.