الإصلاح ليس شعاراً بل قراراً

صنارة نيوز - 30/05/2026 - 8:03 pm


د.يزن ياسين المعايعة

 

في كل مرحلة مفصلية من عمر الدول، تظهر لحظة فارقة يكتشف فيها الناس أن الوقوف على الرصيف لم يعد خياراً وأن الاكتفاء بالنقد لم يعد كافياً، لحظة يصبح فيها السؤال الحقيقي ليس ماذا يحدث حولنا؟ بل أين نقف نحن مما يحدث؟
لقد اعتدنا لسنوات طويلة أن ننظر إلى العمل السياسي من خلف الزجاج؛ نراقبه، ننتقده، ونحمّله مسؤولية كل تعثر، لكن الحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها هي أن الفراغ لا يصنع اتحادا، وأن المساحات التي يتركها أصحاب الكفاءة والعقول الواعية سرعان ما يملؤها من يجيدون الحضور أكثر مما يجيدون الإنجاز.

 

المشكلة لم تكن يوماً في قلة الأفكار، بل في ندرة من يحملها بإيمان ويحولها من حبر على الورق إلى ميثاق حياة فكم من الشعارات وُلدت كبيرة ثم ماتت صغيرة، وكم من المبادرات أُعلن عنها بعزم ثم انتهت إلى أرشيف النسيان والسبب دائماً واحد غياب الإنسان الذي يرى في العمل العام مسؤولية لا مبادرة ورسالة لا مكسباً.
وفي خضم هذا الضجيج، يظل هناك طريق مختلف تراه طريق الاصلاح لا يلتفت إليه الكثيرون طريق لا يقوم على صناعة الأبطال، بل على صناعة المؤسسات، لا يَعِد الناس بالمعجزات، بل يدعوهم إلى المشاركة في صنع الممكن، اصلاح يؤمن بأن الوطن لا يبنى بالخطب الرنانة، بل بالعقول التي تخطط، والأيدي التي تعمل، والإرادة التي لا تتراجع عند أول اختبار.

 

إن أكثر ما تحتاجه الحياة السياسية اليوم ليس مزيداً من المتحدثين باسم الناس، بل مزيداً من الناس أنفسهم، تحتاج إلى الشباب الذين يملكون الجرأة على الانتقال من مقاعد المشاهدة إلى ساحات الفعل، تحتاج إلى أصحاب الخبرة الذين سئموا الشكوى ويريدون أن يكونوا جزءًا من الحل، تحتاج إلى أولئك الذين يؤمنون أن الإصلاح ليس حدثاً عابراً، بل مسار طويل يبدأ بخطوة وقرار.

 

فالدول لا تتقدم لأن حكوماتها تريد ذلك فقط، ولا لأن القوانين تنص عليه بل لأن هناك مواطنين قرروا أن يحملوا جزءاً من المسؤولية على أكتافهم، وكل تجربة نهضوية في التاريخ بدأت بأشخاص آمنوا بأن بإمكانهم إحداث الفرق، ثم وجدوا الإطار الذي يمنحهم القدرة على تحويل القناعة إلى أثر.
ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نترك الساحة لمن لا يمثلون أحلامنا وإرادة العمل الديمقراطي، ثم نتساءل غداً لماذا لم تتحقق تلك الأحلام، فالمستقبل لا يكتبه الغائبون ولا تصنعه الأصوات التي تكتفي بالاعتراض من بعيد، المستقبل تصنعه الفئة التي تقرر أن تنخرط، أن تناقش، أن تقترح، وأن تتحمل مسؤولية ما تؤمن به.

 

لهذا، فإن الرهان الحقيقي لم يعد على كثرة التنظيمات أو الأسماء أو اللافتات، بل على وجود مشروع وطني جاد كالاصلاح، يجمع أصحاب الكفاءة والطموح حول رؤية واضحة، ويمنحهم مساحة للعمل والتأثير، مشروع لا يسأل القادم إليه من تعرف؟ بل يسأله ماذا تستطيع أن تقدم؟
وعندما يجد الإنسان هذا النوع من المشاريع، يصبح الانضمام إليه أكثر من مجرد خيار سياسي؛ يصبح موقفاً أخلاقياً تجاه وطن يؤمن بأنه يستحق الأفضل.
فالتاريخ لا يتذكر الذين وقفوا على الهامش طويلًا، بل يتذكر أولئك الذين قرروا، في اللحظة المناسبة أن يكونوا جزءاً من صناعة المشهد لا مجرد شهود عليه.