ماتت ريتا

صنارة نيوز - 26/02/2026 - 1:37 am  /  الكاتب - ابراهيم جابر ابراهيم

" وأنا ضعت بريتا ... سنتين" هكذا قال محمود درويش.

أمّا أنا فقد ضيعت مع ريتا سنوات وأنا انتظر ردودها على أسئلتي وهي تماطلني كل مرة بحجّة جديدة. حتى مللت وكففت عن مراسلتها.

البداية كانت حين التقيت في دبي، عام 2020، بالروائية والطبيبة السورية د. نجاة عبد الصمد، والتي حدثتني ضمن أحاديث كثيرة عن صداقتها للسيدة تامار بن عامي مدرّبة الرقص ( التي هي ريتا حبيبة محمود درويش القديمة)، والتي تشاركها القهوة دائماً في محل إقامتهما: ألمانيا.

ففكرت بإجراء حوار صحفي معها سيكون نادراً في الصحافة العربية وسارعت لكتابة الأسئلة. وحين أرسلت اسئلتي لـ ريتا عبر الماسنجر بعد أن صرنا صديقين على الفيسبوك طلبت مني بلطف أن اترجمها للعبرية. وفعلاً استعجلت في الترجمة فقد أخبرتني نجاة بأن ريتا تعاني من السرطان وقد تموت في أية لحظة. وقالت لي أنها تطلب منك أن تراعي حالتها الصحية وتصبر عليها وستجيب على أسئلتك كلما سنحت لها الفرصة بأن تكتب. يعني سترسل الإجابات على دفعات. وهكذا اتفقنا. وما زلت انتظر.

القاصة الفلسطينية من أراضي فلسطين 48 شيخة حسن حليوي، والتي أستغرب كيف احتملت فجاجتي حين أرسلت لها بعد منتصف الليل رسالة في بريد الفيسبوك (الماسنجر)، بدون أيّ سابق معرفة أو تواصل، أقول لها وبلا مقدمات " أرجوك ترجمي لي هذه الأسئلة إلى العبرية. الآن. الليلة" ! رغم عملها الأكاديمي واشتغالها في الترجمة، ومهامها الكثيرة، تعاملت معي تلك الليلة بكل لطف وطول بال.

وهكذا ومنذ ست سنوات وأنا انتظر ريتا وإجابات ريتا. لترحل ريتا اليوم كما قرأت في الأخبار. وظلّت أسئلة الحوار مُعلَّقة؛ تماماً مثلما ظلّت قصة ريتا ودرويش مُعلَّقة وغامضة لعقود طويلة.

...

وهنا أسئلة الحوار الذي لم يتمّ:

هناك مئات الآلاف من النساء في هذا العالَم يحملن اسم " ريتا "، لكننا في الشرق كلما قيل " ريتا " تداعى إلى ذهننا فقط "محمود درويش"، وحضرتِ أنتِ، رغم أنه ليس اسمك الحقيقي لكنك حتماً كنت تحسّين به. المرأة الشبحية، السيدة السرّية، كيف كنتِ تشعرين إزاء ذلك؟ ونحن نتغنى باسمك، كل هذه السنوات..

لم يحصل عليك " محمود " بالكامل، لكنه استطاع بذكاء أو عن غير تخطيط أن يحشرك مع شعبه في زنزانة واحدة لأكثر من خمسين سنة، فحصل عليك الفلسطينيون كلّهم، حتى صرتِ رمزاً وأيقونة عند شعب عدو ؟! بماذا كان يُشعرك ذلك ؟ هل صادر "محمود" هويتك الشخصية فيما دولتك تصادر هويته هو ؟

الغالبية العظمى من الفلسطينيين لم يتقبَّلوا "سهى الطويل" زوجة زعيمهم ياسر عرفات. وأحسّوا كأنها تأخذه منهم مثل زوجة أب فتجاهلوها كأنها غير مرئية. لكنّهم ورغم أنك يهودية إسرائيلية التحقتِ بالجيش الإسرائيلي في وقتٍ ما. لم يكرهوك. وكانوا يطلقون اسمك الافتراضي على مواليدهم ! وبالنسبة لهم أنتِ اللغز الذي لم يكن يقلق أحداً. وحين رأوا صورك لأول مرة بعد عقود احتفلوا بك. وكانّك عروس شقيقهم،.. وأراهن أن أي فلسطيني يراكِ الآن سيطلب فوراً التقاط صورة معك. ماذا فعلت بكِ هذه العاطفة. وكيف تعاملتِ معها على مدار سنوات طوال.

حين تركتِ "محمود" وأنتما في أول العمر، لم يكن نجماً، ولا شاعراً معروفاً، ولكن لا بد أنك لاحقاً حين صارت الصحف تتداول اسمه وصوره صرتِ تتبعين ذلك، وصرت تعيشين عن بعد كيف يكبر اسمه ويلمع، هل تحركت المرأة العاشقة في داخلك ونادت عليه ؟ هل أحسستِ صدقاً انَّك ضيَّعتِ "حباً كبيراً "، هل قلت في داخلك بحسرة : هذا الشاعر، والشِعرُ ، لي ؟!

يعرف العالم بداية قصة الحب الشهيرة، بين شاعر شاب وصبية يانعة، ويعرف أنها انتهت بسبب انحياز كل منهما إلى ما رآها "قضية شعبه" ؟ هل حقاً كان حبا حقيقياً وقوياً في ذلك الوقت لكن "الهوية" انتصرت، أم كانت علاقة شابّة تهاوت عند أول خلاف وكانت السياسة مجرد ذريعة لذلك، وأن أهمية العلاقة جاءت لاحقاً من "انتهازية الشاعر" الذي وظَّف العلاقة لصالح الأدب ؟

بعد مرور سنوات على فراقكما، تعايش العرب واليهود خصوصاً في فلسطين 48، وصار عاديا أن يتزوجوا من بعضهم، حتى أن منظمة التحرير وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل، ودخلت قصائد درويش في المناهج الإسرائيلية، هل حدث بعد ذلك، أو حتى قبله، أن فكرتما بالرجوع للحب ؟ وهل صحيح أن ياسر عرفات منعه من لقائك ؟

برأيك لماذا لم ينجح "محمود" لاحقاً في الحب، وقال عن نفسه مرة "انا العاشق السيء الحظ"، كما فشل في تجربتي زواج،.. هل كان في شبابه يميل للفردانية والوحدة أم ان ظروف السفر وحياته وحده لاحقاً أوقعته في غرام "شخصيته المستقلة" ؟

حتى سنوات قليلة مضت لم يكن أحد يعرف عنك شيئاً. لماذا اخترتِ في 2014 الظهور للعلن، والكشف عن هويتك، لماذا كان ذلك بعد رحيل "العاشق" ؟

بدأتِ حياتك بقصة حب مع عاشق ينتمي لشعب عدو، ثم انتهيتِ متزوجة من رجل "ألماني" كان شعبه أيضاً عدوا لشعبك،.. هذه بالتأكيد مجرد مصادفة. لكن السؤال: إلى أي حدّ ارتبكت "اسرائيليتك" هناك وهنا ؟ خصوصاً ونحن نشهر اسمك / الأغنية في وجه أهلك كواحدة من أدوات نضالنا الثقافي ؟

سيدة " تمار بن عامي " هل تقرأين " محمود درويش " ؟