أنصاف الحقائق في سردية «أزمة الاستدامة» للضمان الاجتماعي الأردني قراءة تحليلية في الخطاب الرسمي وتحديات الإصلاح
صنارة نيوز - 23/02/2026 - 1:24 pm
الصناره نيوز - خاص
تشير مراجعة الخطاب الرسمي المرافق للتعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 إلى تبني سردية تركز على وجود مخاطر استدامة مالية متصاعدة في النظام التقاعدي، وتطرح الإصلاحات المقترحة بوصفها استجابة حتمية لاعتبارات اكتوارية وديموغرافية.
غير أن المقارنة بين هذه السردية والمعطيات المالية والاكتوارية المتاحة تبيّن أن الصورة قد تكون أكثر تعقيداً، وأن بعض عناصر الخطاب العام تعكس عرضاً انتقائياً للمعطيات أو تركيزاً على جانب محدد من المشكلة دون إبراز كامل السياق المؤسسي والاقتصادي المرتبط بها.
فمن ناحية المركز المالي، تُظهر البيانات المتاحة أن صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي يمتلك أصولاً تتجاوز 18.6 مليار دينار بنهاية عام 2025، وهو مستوى مرتفع نسبياً قياساً بحجم الاقتصاد الأردني. كما تفيد نتائج الدراسة الاكتوارية بأن النظام قادر على الوفاء بالتزاماته على المدى المتوسط، مع توقع تحديات طويلة الأجل مرتبطة بالتحولات الديموغرافية وسوق العمل.
وفي هذا الإطار، يمكن تفسير الإشارة المتكررة إلى “نقاط التعادل” المستقبلية بوصفها أدوات إنذار مبكر للتوازن المالي، أكثر من كونها مؤشراً على أزمة آنية أو وشيكة.
التقاعد المبكر بين الاختيار الفردي والسياسات العامة
يُطرح التقاعد المبكر في الخطاب الرسمي بوصفه أحد أبرز مصادر الضغط على استدامة النظام. إلا أن تحليل بيانات المتقاعدين الجدد يظهر أن نسبة ملحوظة منهم جاءت من القطاع العام خلال السنوات الماضية، وهو ما يمكن ربطه بسياسات إحالة وظيفية سابقة هدفت إلى إدارة حجم العمالة الحكومية أو ضبط الإنفاق الجاري.
ويشير ذلك إلى أن ظاهرة التقاعد المبكر لا يمكن تفسيرها فقط باعتبارها خياراً فردياً للمشتركين، بل بوصفها نتاجاً لتفاعلات بين سوق العمل العام وسياسات إدارة الموارد البشرية في القطاع الحكومي، الأمر الذي يوسّع نطاق المسؤولية المؤسسية في نشوء هذه الظاهرة.
الشفافية الاكتوارية وحدود التحقق المستقل
تعتمد التعديلات المقترحة بدرجة كبيرة على نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، التي تستند بطبيعتها إلى افتراضات طويلة الأجل تتعلق بالنمو الاقتصادي والتوظيف والعوائد الاستثمارية والديموغرافيا.
ومع أن نشر النتائج الرئيسية يوفّر مؤشراً عاماً على التوازنات المستقبلية، فإن محدودية إتاحة الافتراضات التفصيلية والمنهجية الكاملة تقلل من قدرة الخبراء المستقلين والباحثين على التحقق المقارن أو بناء نماذج بديلة، وهو ما قد يؤثر في مستوى الثقة العامة بتفسير النتائج أو خيارات السياسات المستندة إليها.
هيكل الاستثمارات وعلاقته بتشخيص المخاطر
تشير بيانات الاستثمار إلى أن نسبة مرتفعة من أصول الصندوق مستثمرة في أدوات الدين الحكومي. ويعد هذا النمط الاستثماري شائعاً في العديد من أنظمة التقاعد العامة، إلا أنه يخلق في الوقت ذاته تداخلاً مؤسسياً بين دور الحكومة كمُقترض رئيسي ودورها كمُنظِّم للنظام التقاعدي.
ويمكن تفسير هذا التداخل بوصفه عاملاً هيكلياً قد يؤثر في طبيعة تقييم المخاطر أو أولويات الإصلاح، نظراً لارتباط استدامة الصندوق جزئياً بالسياسات المالية العامة للدولة.
بدائل الإصلاح بين التركيز المالي والإصلاح الهيكلي
يركز الخطاب الرسمي للإصلاح على أدوات بارامترية مثل تقييد التقاعد المبكر أو تعديل شروط الاستحقاق، وهي أدوات شائعة دولياً في معالجة الضغوط الديموغرافية.
غير أن الأدبيات المتخصصة في إصلاح أنظمة التقاعد تشير أيضاً إلى مسارات موازية تتعلق بتوسيع قاعدة الشمول، والحد من التهرب التأميني، وتعزيز مشاركة القوى العاملة، وتحسين عوائد الاستثمار طويل الأجل.
وفي السياق الأردني، حيث لا يزال جزء كبير من القوى العاملة خارج مظلة الضمان، يمكن تفسير التركيز الأكبر على تعديل شروط الاستحقاق بوصفه معالجة لنتائج الاختلال، أكثر من كونه معالجة لجذوره البنيوية في سوق العمل والاقتصاد غير المنظم.
المقارنة الدولية وسياق السياسات
تشهد العديد من الدول إصلاحات تقاعدية تتضمن رفع سن التقاعد أو تشديد شروطه، إلا أن التجارب المقارنة تُظهر أن نجاح هذه الإصلاحات يرتبط غالباً بحزم أوسع تشمل سياسات تشغيل كبار السن، وتحفيز الادخار التقاعدي، وتوزيعاً متوازناً لأعباء الإصلاح بين الدولة وأصحاب العمل والمشتركين.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم النقاش الأردني حول الاستدامة بوصفه جزءاً من نمط عالمي في التعامل مع ضغوط الشيخوخة السكانية، مع خصوصية محلية تتعلق بدور القطاع العام وحجم الاقتصاد غير المنظم وهيكل المالية العامة.
ما وراء سردية الأزمة
تُظهر القراءة الشاملة أن التحدي الذي يواجه نظام الضمان الاجتماعي في الأردن لا يقتصر على التوازنات الاكتوارية، بل يرتبط بنموذج اقتصادي وسوق عمل يتسم بارتفاع البطالة، وضيق القاعدة الاشتراكية، واعتماد نسبي على التقاعد المبكر كأداة لإدارة العمالة الحكومية.
وفي هذا السياق، يمكن تفسير التركيز الرسمي على مخاطر الاستدامة بوصفه انعكاساً لاعتبارات مالية وديموغرافية حقيقية، لكنه في الوقت ذاته قد لا يعكس بالكامل الأبعاد الهيكلية الأوسع للمشكلة.
نحو إصلاح متوازن ومستدام
تشير الأدلة المقارنة إلى أن أي إصلاح مستدام لأنظمة التقاعد يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: الشفافية الكاملة في التشخيص، وتوزيع متوازن للأعباء، ومعالجة الأسباب الهيكلية لسوق العمل والشمول التأميني.
وفي الحالة الأردنية، قد يساهم تعزيز إتاحة البيانات الاكتوارية، وتوسيع قاعدة المشتركين، وتحسين هيكل الاستثمار، وتوضيح الالتزامات المتبادلة بين الدولة والنظام التقاعدي، في بناء ثقة أكبر بعملية الإصلاح وضمان استدامتها على المدى الطويل.




