بقملها وقمحها… حين كان الرأس يحكّ أكثر من الجيب
صنارة نيوز - 26/01/2026 - 10:12 am / الكاتب - منار الزواهرة
بقلم : منار الزواهرة
كان يا ما كان، في زمنٍ كانت فيه الحياة بسيطة حتى في شقائها، كان الناس يعيشون بقملها وقمحها؛ القمل يمشي على الرأس مشيًا وطنيًا حرًّا، والقمح مخزّن في البيادر مثل الذهب، لا يحتاج إلى قرض بنكي ولا موافقة صندوق دولي.
زمان…حين كان الفقير فقيرًا بكرامة، والغني غنيًا بدون حسابات بنكية خارجية، وكانت السياسة تُدار على مبدأ: "امشي جنب الحيط… الحيط أأمن من الحكومة" .
عيشة زمان: البيت من طين، لكن القلوب من ذهب.. السقف بنقّطمي ، بس الضمير ناشف..
الناس بتعرف بعضها بالاسم، مش بالرقم الوطني ولا برقم الجلوس ولا برقم الشكوى.
زمان إذا جاع المواطن قال: الله كريم ، واليوم إذا جاع قال: الوضع أليم.
القمل زمان لم يكن مجرد حشرة، كان مؤشرًا اقتصادياً.
كلما زاد القمل، اعرف إنه الناس شبعانة خبز بلدي، و اذا اختفى، اعرف إنه الشامبو سعره غلي… أو الراتب تبخر.
القمل كان ديمقراطيًا أكثر من كثير من الأنظمة: لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين رأس معارض أو موالٍ،
الجميع سواسية تحت المخالب.
القمح زمان كان قرارًا سياديًا.
نزرعه ، نحصدُه ، نطحنه ، نخبزه ، ونأكله.. لا مؤتمر صحفي ليشرح لنا سعر الرغيف،
ولا وزير يطلّ علينا ليقول: رفعنا السعر لمصلحتكم.
الرغيف كان دائريًا، لا يعرف التقسيط ، ولا يدخل في مزاد عالمي.
السياسة كانت بسيطة: الشيخ في الجامع، والمختار في الديوان،والحكومة بعيدة… وهذا أهم إنجاز.
الحاكم لا يزور القرية إلا مرة، وغالبًا يضيع الطريق ، فلا مشاريع وهمية ، ولا لافتات مكتوب عليها:
“تم الإنجاز”.
وفي النهاية، لا تقلقوا ..نحن لا نطلب عودة القمل حرفيًا… ، ولا نطالب بتأسيس وزارة لشؤون الحكة الوطنية، لكننا نشتاق لذلك الزمن الذي كانت فيه مشاكلنا تحكّ الرأس فقط، وليس الجيب، ولا الأعصاب، ولا الضغط، ولا القلب.
لكننا نعترف بشيء مخجل: القمل كان أوضح من الواقع…يعضّك وتعرف أنه يعضّك، لا يحتاج بيانًا رسميًا ولا نفيًا عاجلًا.
زمان .. كان القمح يُطعم الناس، واذا ارتفع ثمنه نخبزه برغيف أرقّ ..
واليوم الناس تُطعم القمح بالخطب ، ثم يُصدرون قرارًا عاجلًا يؤكد أن الجميع شبع…ما عدا الجميع.
كان الفقر يقف على الباب ويقول: “ أنا هنا ”، اليوم يدخل بابتسامة، ويجلس في الصالون، ويطلب كلمة السر للواي فاي.
نحن الآن شعبٌ بلا قمل…لكن مع حكة دائمة في الروح، وبلا قمح… لكن مع نشرة أخبار تشبعنا حتى التخمة.
وإذا انقطع التيار قبل أن تُكمل قراءة هذه الخاتمة ، فاعلم أن هذا ليس عطلًا فنيًا، بل مشاركة وجدانية من الدولة في الجو العام.
زمان كنا نعيش بقملها وقمحها، واليوم نعيش بصبرها وفاتورتها وانتظارها، نضحك…لأن الضحك لا يحتاج تصريحًا،ولم يخضع بعد للضريبة.
انتهى المقال…
أما الحكاية، فما زالت تحت الدراسة.



