مجرد تحليل: كيف لقاتل أن يكون عضوًا في مجلس سلام؟
صنارة نيوز - 21/01/2026 - 8:47 pm / الكاتب - أبو الشريف رباح
يثير إعلان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قبوله دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام إلى ما يسمى مجلس السلام لغزة جملة من الأسئلة الأخلاقية والسياسية العميقة تتجاوز حدود الاستغراب إلى مستوى الصدمة، فكيف يمكن لمن قاد واحدة من أعنف الحروب وأكثرها تدميرا في العصر الحديث أن يكون شريكا في صناعة السلام؟
منذ السابع من أكتوبر 2023، قاد نتنياهو وحكومته حربا شاملة على قطاع غزة حربا لم تفرّق بين مقاوم ومدني ولا بين هدف عسكري ومستشفى أو مدرسة أو مخيم نازحين، مئات آلاف الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود واسير، ودمار واسع طال البشر والحجر والشجر، إضافة إلى حصار خانق استخدم فيه التجويع سلاحا واحتلال فعلي لما يزيد على 60% من مساحة القطاع في مشهد أقرب لحرب إبادة جماعية منه إلى حرب تقليدية.
السؤال الجوهري هنا، كيف يمكن لمن ارتكب كل هذا القتل والدمار أن يكون عضوا في مجلس يفترض أنه شكل لإرساء السلام، أي سلام هذا الذي يبنى على أنقاض المدن المدمرة، وعلى دماء الأطفال والنساء والشيوخ، وأي رسالة يوجهها المجتمع الدولي حين يكافئ الجناة بمقاعد سياسية بدل مساءلتهم أمام العدالة، وهل ستجبر إسرائيل بوصفها قوة احتلال على دفع مليار من الدولارات لإعادة إعمار ما دمّره جيشها، أم أن مجلس السلام سيكون غطاء جديد للتهرب من المسؤولية الاخلاقية والقانونية؟
لا يقتصر المشهد على غزة وحدها فجيش الاحتلال لا يزال يواصل عدوانه وقطعان المستوطنين يعيثون فسادا في الضفة الغربية تحت حماية الجيش، فيما يطلق وزراء حكومة نتنياهو خطابات عنصرية تحريضية، وصلت حد الدوس على علم وكالة الأونروا في استخفاف فج بالأمم المتحدة ومؤسساتها وقراراتها، والأخطر من ذلك أن قبول نتنياهو بعضوية مجلس السلام، يكرس مبدأ الإفلات من العقاب ويحول السلام من قيمة إنسانية قائمة على العدالة والحقوق إلى أداة سياسية تدار وفق موازين القوة والمصالح، فبدل أن يكون السلام مسارا لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم يجري استخدامه لتبييض سجل حكومة ارتكبت جرائم موثقة بحق الشعب الفلسطيني.
إن المكان الطبيعي لنتنياهو وأعضاء حكومته وقادة وضباط جيشه ليس في مجالس السلام بل أمام محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية لمحاسبتهم على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، فالسلام الحقيقي لا يصنع بالشراكة مع القتلة ولا يبنى على إنكار العدالة بل يبدأ أولا بالاعتراف بالجريمة ومحاسبة مرتكبيها وإنصاف ضحاياها، وانطلاقًا من هذه المسؤولية الأخلاقية والقانونية فعلى دول العالم أن تتحمّل واجبها ليس في إدارة الأزمة فحسب، بل في حماية المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، فإن قبول بنيامين نتنياهو في مجلس السلام في غزة يعني مكافأة المجرم وشرعنة القتل وتكريس منطق القوة على حساب العدالة والقانون، وإرسال رسالة خطيرة مفادها أن الإبادة والحصار يمكن أن يكونا طريقا إلى طاولات السلام.
وعليه، فإنه على دول العالم والمؤسسات الدولية وأحرار المجتمع الدولي الرفض القاطع لإشراك نتنياهو وحكومته في مجلس السلام لغزة، والتمسك بمبدأ المحاسبة لا الشراكة وبالعدالة لا التواطؤ، فنحن لا نحتاج إلى رعاة دمار يتحدثون باسم السلام، بل إلى مسار دولي نزيه ينهي العدوان ويرفع الحصار ويضمن حقوق الشعب الفلسطيني، أما السلام الذي يولد من رحم الجريمة فلن يكون إلا سلاما زائفا سرعان ما ينهار على رؤوس الجميع.



