“أقلام تنزف تحت نيران الصمت: كيف تحوّلت الحقيقة إلى ساحة معركة في فلسطين؟”

صنارة نيوز - 27/03/2025 - 9:44 pm

في زمنٍ يُفترض أن تُحاك فيه الكلمات بأجنحة الحريّة، تُختَطَف الأقلام من أيدي حَمَلتها، وتُكسَر الكاميرات قبل أن تُوثِّق اللحظة، ويُدفَن الصوت تحت ركام الرصاص والقنابل المُدمِّرة. المشهد يتكرر يومياً في فلسطين، حيث يتحوَّل الصحفيون والمراسلون من شهود على التاريخ إلى أهدافٍ مُعلنة لقوات القمع الصهيونية، في محاولةٍ مُمنهجة لطمس الحقيقة، وإسكات الرواية، وتحويل الضمير العالمي إلى ساحة صمتٍ مُطبق. هنا، حيث تُقاس الأخبار بثمن الدم، تُكتب الحكايات ليس بحبرٍ أسود، بل بجراحٍ مفتوحة، وشهداء يُرفَعون على أكتاف الزملاء الذين يُقسمون أن تستمر العدسة في التقاط ما تريد الآلة العسكرية إخفاءه.

لم تعد مهنة الصحافة في فلسطين مجرد نقلٍ للأحداث، بل مواجهة وجودية مع آلة عسكرية تدرك أن الكلمة أقوى من الرصاصة. فكل تقريرٍ صحفي، كل صورة، كل بثٍّ مباشر، هو شهادةٌ تُحاكم الاحتلال أمام العالم. ولهذا، تحوَّل الصحفيون إلى “أعداء” يجب تحييدهم. وفق تقارير منظمات دولية مثل “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحفيين”، سجّلت السنوات الأخيرة تصاعداً خطيراً في استهداف الصحفيين الفلسطينيين: من الاعتقالات التعسفية، إلى الاعتداءات الجسدية، إلى القتل المباشر تحت ذرائع واهية. ففي 2023 وحده، قُتِل أكثر من 15 صحفياً فلسطينياً خلال تغطيتهم لهجمات الاحتلال على غزة والضفة، بينما أُصيب العشرات، وتعرض مئات آخرون للتهديد والترهيب.

القصة الأكثر إيلاماً هي قصة الصحفية *شيرين أبو عاقلة*، التي تحوّلت دماؤها إلى صرخة عالمية لم تُسمَع بعد. حين سقطت برصاص قناصٍ إسرائيلي خلال تغطيتها لاجتياح جنين، لم تكن شيرين مجرد رقمٍ في إحصائية، بل كانت رمزاً لواقعٍ مُمتد: صحفيون يُقتَلون لأنهم يرفضون أن تكون الرواية أحادية. لكن حتى بعد رحيلها، استمرت إسرائيل في تشويه سمعتها، ورفضت التحقيق الشفاف في جريمة قتلها، في سابقةٍ تعكس إستراتيجية ممنهجة لإنكار الجرائم ضد الإعلاميين، وتحويل الضحايا إلى “أضرار جانبية” في سردية الحرب الدعائية.

الاستهداف لا يقتصر على القتل، بل يمتد إلى حربٍ نفسية وقانونية. فمراسلو وكالات أنباء دولية كـ”رويترز” و”الجزيرة” يتعرضون للتنكيل خلال أداء عملهم: مصادرة معدات، منع دخول إلى مناطق الأحداث، تفتيش مهين، أو حتى اعتقال زوجات وأبناء الصحفيين للضغط عليهم. أما الصحفيون الفلسطينيون العاملون مع وسائل إعلام محلية، فيواجهون خطراً مضاعفاً: فبالإضافة إلى التهديدات المباشرة، تُحاصَر مؤسساتهم بالإغلاق أو القصف، كما حدث مع مكاتب قناة “الأقصى” و”وفا” الفلسطينية. حتى أن بعض الصحفيين يُجبرون على العمل تحت الأرض، خوفاً من أن تصبح هوياتهم بطاقةَ موتٍ مبكرة.

وراء كل هذا، ثمة سؤالٌ جوهري: لماذا تخشى إسرائيل من الكاميرا والقلم؟ الإجابة بسيطة: لأن الرواية الفلسطينية، بقدر ما هي شهادة على المعاناة، هي أيضاً إدانةٌ لدولةٍ تدَّعي الديمقراطية بينما ترتكب جرائم فصل عنصري بواسطة قنابلٍ مُرقَّمة بدقة. الصحفيون هنا هم من يكشفون تناقض المشهد: كيف تُدَمِّر جرافة عسكرية منزلاً فلسطينياً أمام عيون أطفاله، بينما تُعلن إسرائيل للعالم أنها “ضحية إرهاب”. كيف تُغتال عائلات بأكملها تحت غطاء “الدفاع عن النفس”، بينما تُحاك المؤسسات الإعلامية الغربية رواية “التوازن” الزائف بين الجلاد والضحية.

في القانون الدولي، يُعتبر الاعتداء على الصحفيين جريمة حرب. لكن إسرائيل، المدعومة بحصانةٍ أمريكية دائمة في مجلس الأمن، تتعامل مع القانون كـ”ورقة مزحة”. فحتى التحقيقات الدولية التي تُدينها، كتقرير “هيومن رايتس ووتش” الذي وثّق استهداف الصحفيين عمداً، تتحول إلى حبرٍ على ورق. وفي الوقت نفسه، تتصاعد حملات التشويه ضد الصحفيين الفلسطينيين في الإعلام الغربي، حيث يُوصَمون بـ”الانحياز” لمجرد نقلهم معاناة شعبهم، بينما يُقدَّم الجنود الإسرائيليون كـ”أبطال” يُدافعون عن أرضهم!

لكن رغم كل محاولات الإسكات، تبقى الحقيقة عصية على القتل. فالشباب الفلسطيني، بأقل الإمكانيات، يخترق حجب الاحتلال عبر منصات التواصل الاجتماعي، مُحوِّلاً كل هاتف محمول إلى سلاح مقاومة. الصحفيون الذين يُمنَعون من العمل، يتحايلون على المنع بالكتابة تحت أسماء مستعارة، أو بنشر التسجيلات السرية. حتى الأمهات الفلسطينيات صرنَ “مراسلات شرف” يوثقنَ جرائم الاحتلال بينما يمسكنَ أيدي أطفالهن وسط الحطام.

في النهاية، المعركة هنا ليست بين الفلسطينيين وإسرائيل فقط، بل بين نور الحقيقة وظلام التضليل. كل صحفي يُقتَل، كل عدسة تُكسَر، كل تقرير يُحذَف، هو تأكيدٌ على أن السلطة التي تخشى الكلمة لا تملك روايةً تُدافع عنها. لكن التاريخ يُعلّمنا أن محاولات طمس الحقائق مصيرها الفشل: فدم شيرين وأقرانها لم يجف بعد، بل تحوّل إلى حبرٍ يكتب سطور الحرية القادمة. ففي فلسطين، حتى الموت يصير قصيدة مقاومة، وكل صحفي يسقط… يترك خلفه مليون سؤالٍ لن تُغلق إسرائيل أفواهها إلا بالإجابة عنها.