هل ستقود النقابات الأميركية معركة السردية الفلسطينية في المرحلة المقبلة؟

صنارة نيوز - 20/04/2026 - 11:40 pm

لأسباب تتعلق بضعف الحركة العمالية في الولايات المتحدة لم تقم النقابات المهنية الاميركية بدورها المفترض ان يكون قياديا في مواجهة الابادة الجماعية والتطهير العرقي التي نفذت في فلسطين بتمويل من دافعي الضرائب الامريكان وبينهم الضرائب التي تجبى من العمال.
عدم وجود نقابات قوية وخشية العمال من اجراءات اصحاب العمل وتعرض الاف الموظفين والعمال للطرد من وظائفهم على خلفية مواقفهم السياسية والعمالية والتنظيمية دفع نحو البحث عن حلول انية وايضا جذرية لمواجهة تغول المؤسسات ولتقديم شبكة إسناد للعمال.
وتشهد الولايات المتحدة تحوّلًا لافتًا في بنية العمل النقابي، لا يقتصر على المطالب الاقتصادية التقليدية، بل يتقاطع بشكل متزايد مع القضايا السياسية والحقوقية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. هذا التحول يتجسد بوضوح في إطلاق مبادرة “Union Now”، وهي أول صندوق إضراب مركزي على المستوى الوطني، يهدف إلى تقديم دعم مالي مباشر للعمال لتمكينهم من التنظيم النقابي وخوض الإضرابات دون الخضوع لضغوط المعيشة أو تهديدات الفصل التعسفي.
المبادرة التي تقودها سارة نيلسون واليسار الاميركي ومؤسسات الحق الفلسطيني، وبدعم شخصيات بارزة مثل بيرني ساندرز وزهران ممداني، تعكس إدراكًا متناميًا بأن ضعف النقابات لم يعد مجرد خلل اقتصادي، بل أصبح عائقًا سياسيًا يحد من قدرة المجتمع على فرض توازن في مواجهة نفوذ الشركات الكبرى المرتبط بالتغول السياسي الداخلي والخارجي . فبينما لا تتجاوز نسبة المنتمين للنقابات 10% من القوى العاملة، تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 70% من الأمريكيين يدعمون العمل النقابي، بل إن ما يصل إلى 60 مليون عامل مستعدون للانضمام إلى نقابات إذا توفرت الظروف.
هذا التناقض بين التأييد الشعبي وضعف البنية التنظيمية هو ما تحاول “Union Now” معالجته، عبر توفير ما كان مفقودًا تاريخيًا: الغطاء المالي الذي يسمح للعمال بالتحرك. فالصندوق لا يدعم فقط الإضرابات، بل يتيح للعمال تخصيص وقت للتنظيم بدلًا من العمل بوظيفتين، ويؤمن دخلًا لمن يتم فصلهم بسبب نشاطهم النقابي.
لكن أهمية هذا التطور تتجاوز الاقتصاد والعمل، لتلامس التحولات السياسية الأوسع داخل الولايات المتحدة، حيث أصبح العمل النقابي أحد المسارات الجديدة لتوسيع الضغط السياسي، بما في ذلك في ما يتعلق بفلسطين.
خلال السنوات الأخيرة، نجح أنصار فلسطين في تحقيق اختراقات ملموسة في عدة ساحات:
في الجامعات، حيث تحولت الحركات الطلابية إلى قوة ضغط مؤثرة أعادت صياغة النقاش العام.
وفي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل محل إجماع كما كان سابقًا، بل بات موضوع جدل داخلي.
وفي مجالس المدن، التي شهدت تمرير قرارات رمزية وسياسية تدعم حقوق الفلسطينيين.
وفي انتخابات الكونغرس والهيئات المحلية، حيث برز مرشحون يتبنون مواقف أكثر جرأة تجاه السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، يأتي تطور العمل النقابي كحلقة جديدة في سلسلة هذا التحول. فالنقابات، بحكم تنظيمها الواسع وقدرتها على التعبئة، تملك إمكانيات هائلة لتحويل المواقف الشعبية إلى قوة ضغط مؤسسية. ومع توفر أدوات مثل صندوق إضراب وطني، يصبح بإمكان العمال ليس فقط تحسين شروطهم الاقتصادية، بل أيضًا ربط نضالاتهم بقضايا العدالة العالمية.
وليس من المصادفة أن الشركات المستهدفة في الحملات الأولى—مثل Amazon وStarbucks وDelta—هي نفسها التي شهدت في السنوات الأخيرة احتجاجات ومواقف من موظفين على خلفية قضايا سياسية، بما فيها الحرب في غزة. هذا التداخل بين بيئة العمل والسياسة يعكس واقعًا جديدًا: العامل الأمريكي لم يعد منفصلًا عن القضايا الدولية، بل أصبح جزءًا من معادلة الضغط عليها.
التجربة التاريخية تعزز هذا الاتجاه. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، لعبت النقابات دورًا محوريًا في إعادة توزيع القوة داخل المجتمع الأمريكي، عندما دعمت حملات تنظيم واسعة أدت إلى نشوء اتحادات صناعية كبرى. اليوم، ومع عودة مستويات عدم المساواة إلى ما يشبه تلك الحقبة، ومع تصاعد وعي الجيل الجديد—خصوصًا جيل “Z”—بجشع الشركات والاختلالات الاقتصادية، يبدو أن الظروف تتشكل مجددًا لمرحلة مشابهة، ولكن بأبعاد سياسية أوسع.
الفرق الجوهري أن النقابات اليوم لا تتحرك فقط من أجل الأجور وظروف العمل، بل ضمن رؤية أشمل للعدالة، تتقاطع فيها القضايا المحلية مع الدولية. وفي هذا الإطار، قد يصبح العمل النقابي أحد أهم الأدوات التي يستخدمها أنصار فلسطين في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط عبر التظاهر أو الخطاب السياسي، بل من خلال بناء قوة اقتصادية منظمة قادرة على التأثير في مراكز القرار.
وضمن ذلك سيسعى هذا التحالف العمالي الى اطلاق اولى فعالياته التضامنية مع فلسطين في الاول من ايار القادم وهو اليوم العالمي للعمال في كل دول العالم باستثناء الولايات المتحدة التي تحتفل فيه باسم يوم العمالة في الإثنين الاول من شهر سبتمبر كل عام.
وسيتم الدعوة لاضرابات جزئية لدقائق او ساعات حسب ظروف العمل حيث امكن للتضامن مع فلسطين مع الاشارة الى ان الدستور الاميركي ينظم الاضرابات ضمن اشتراط ان تكون مرتبطة بنزاع حول حقوق العمل ما يضاعف تعقيدات مشاركة النقابات في العمل من اجل الحقوق الفلسطينية.
بمعنى آخر، ما بدأ كحراك طلابي وسياسي من أجل فلسطين، يتجه اليوم نحو التحول إلى بنية مجتمعية أوسع، تمتد إلى أماكن العمل نفسها. ومع ظهور أدوات تمويل وتنظيم جديدة مثل “Union Now”، فإن هذا التحول مرشح لأن يصبح أكثر عمقًا وتأثيرًا في السنوات القادمة.