الدولة بين المقدّس والمدني: تفكيك الجدلية وإعادة بناء المعنى في السياق العربي:

صنارة نيوز - 02/04/2026 - 3:46 pm  /  الكاتب - بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

ليست الدولة، في جوهرها العميق، مجرد بنية قانونية أو جهازاً إدارياً لتنظيم الشأن العام، بل هي تمثّل أعلى تجلٍّ لعلاقة الإنسان بالسلطة، ولتصوّره عن ذاته داخل الجماعة. ومن هنا، فإنّ الصراع الدائر بين ما يُسمّى بالدولة الدينية (الثيوقراطية) والدولة المدنية، ليس صراعاً سياسياً عابراً، بل هو تعبير عن انقسام إبستمولوجي وأنطولوجي في فهم الإنسان للعالم، ولمصدر الشرعية، ولمعنى الحرية والسلطة.
إنّ الدولة الدينية، في بنيتها العميقة، تقوم على افتراض مركزي مفاده أنّ الحقيقة مُعطاة سلفاً، مكتملة في مرجع متعالٍ، وأنّ مهمة السياسة ليست إنتاج المعنى، بل تطبيقه. وهنا، تتحوّل السلطة إلى وسيط بين الإلهي والبشري، وتغدو الشريعة – كما تُفهم ضمن أطر تاريخية وتأويلات بشرية – مرجعية نهائية لا تقبل النقاش، بل الامتثال. وبهذا المعنى، فإنّ الدولة الثيوقراطية لا تُقصي السياسة فحسب، بل تُقصي التاريخ ذاته، إذ تحاول تثبيت الزمن في لحظة نصٍّ مقدّس، وتُخضع التحوّل الاجتماعي لمنطق الثبات.
في المقابل، تنبثق الدولة المدنية من تصور مغاير جذرياً؛ فهي لا تنطلق من حقيقة مكتملة، بل من قابلية دائمة لإعادة إنتاج الحقيقة عبر التوافق البشري. إنها تفترض أنّ الإنسان كائن تاريخي، وأنّ المعنى ليس معطى، بل يُبنى عبر الحوار والصراع والتجربة. ومن هنا، فإنّ الشرعية في الدولة المدنية لا تستمدّ من مرجع متعالٍ، بل من الإرادة العامة، ومن منظومة قانونية قابلة للمراجعة والتعديل.
غير أنّ هذا التقابل النظري، في السياق العربي، لا يتجلّى في صورته النقية، بل يتداخل ويتشابك ضمن واقع تاريخي معقّد، حيث لم تتبلور الدولة المدنية بوصفها مشروعاً مكتمل الأركان، كما لم تنجح الدولة الدينية في تقديم نموذج قابل للاستمرار. وهنا، يظهر المأزق الحقيقي: مأزق الازدواج البنيوي، حيث تعيش الدولة العربية بين خطاب مدني في النص، وممارسات سلطوية أو توظيفات دينية في الواقع.
لقد شكّل صعود التيارات الدينية، منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، لحظة تحوّل مفصلية في بنية المجال السياسي العربي. غير أنّ هذا الصعود لم يكن مجرد عودة للدين بوصفه إيماناً روحياً، بل بوصفه أيديولوجيا سياسية تسعى إلى إعادة احتكار المجال العام. ومن هنا، فإنّ ما يُقدَّم بوصفه “دولة دينية” ليس، في كثير من الأحيان، إلا إعادة إنتاج للسلطة في لباس مقدّس، حيث يُستثمر الدين كأداة للهيمنة، لا كأفق للمعنى.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إنّ التيارات الدينية، رغم خطابها اللاهوتي، تتحرّك وفق منطق سياسي براغماتي؛ فهي ترفض الديمقراطية حين تكون خارج السلطة، وتعيد تأويلها حين تصبح وسيلة للوصول إليها. كما أنّها لا تطرح نموذجاً واحداً للدولة، بل نماذج متعددة ومتناقضة، تعكس في جوهرها صراعاً على التأويل، لا اتفاقاً على الحقيقة.
في المقابل، لم تستطع التيارات المدنية والليبرالية أن تؤسّس مشروعاً تاريخياً قادراً على ترسيخ الدولة المدنية، إذ وقعت في مفارقة عميقة: فهي تبنّت خطاب الحداثة، لكنها مارست السلطة بأدوات تقليدية، ما أدّى إلى فقدانها للمشروعية، وفتح المجال أمام خصومها لتقديم أنفسهم كبديل أخلاقي وسياسي.
أما السلطة الحاكمة في العديد من البلدان العربية، فقد تعاملت مع هذا الصراع بوصفه أداة، لا مشكلة؛ إذ سعت إلى إدارة التناقضات، لا حلّها، مستفيدةً من حالة الاستقطاب بين التيارات المختلفة، بما يضمن استمرارها. وبهذا، تحوّلت الدولة إلى فضاء للتوازنات الهشّة، لا إلى إطار جامع للمواطنة.
ومن زاوية أعمق، يمكن فهم هذا الصراع بوصفه صراعاً بين نمطين من التفكير: تفكير يقيني مغلق، يرى الحقيقة واحدة ونهائية، وتفكير نقدي مفتوح، يرى الحقيقة نسبية وقابلة للمراجعة. ومن هنا، فإنّ الخلاف ليس حول شكل الدولة فحسب، بل حول طبيعة العقل ذاته: هل هو عقل ناقل أم عقل منتج؟ عقل يؤمن باليقين أم يحتمل الشك؟
إنّ السؤال عن إمكان التوفيق بين الدولة الدينية والدولة المدنية يبدو، في هذا السياق، سؤالاً ملتبساً؛ لأنّه يفترض إمكانية الجمع بين منطقين متعارضين في الأساس: منطق يستند إلى المطلق، ومنطق يقوم على النسبي. لذلك، فإنّ أي محاولة للتوفيق بينهما غالباً ما تنتهي إلى حلول هجينة، تُفرغ الدولة من مضمونها، وتُبقي الصراع كامناً في بنيتها.
غير أنّ استحالة التوفيق لا تعني حتمية الصراع المفتوح، بل تفتح المجال لإعادة التفكير في شروط إمكان الدولة المدنية في السياق العربي. وهذه الشروط لا تقتصر على بناء مؤسسات قانونية، بل تتطلب تحوّلاً عميقاً في البنية الثقافية والمعرفية، يقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، وعلى تحرير المجال العام من الاحتكار الأيديولوجي، أيّاً كان مصدره.
إنّ الدولة المدنية، في معناها الفلسفي العميق، ليست دولة ضد الدين، بل دولة تحمي التعدّد، وتفصل بين المجالين دون أن تقطع الصلة بينهما. إنها دولة تعترف بالدين كخبرة فردية وجماعية، لكنها ترفض تحويله إلى أداة للهيمنة السياسية. وبهذا المعنى، فإنّها لا تلغي المقدّس، بل تعيد موضعته في أفق إنساني مفتوح.
في النهاية، لا يمكن اختزال المسألة في خيارٍ بين نموذجين جاهزين، بل ينبغي النظر إليها كعملية تاريخية مفتوحة، تتشكّل عبر الصراع والتجربة. غير أنّ المؤكد هو أنّ أي دولة لا تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، ولا تضمن حرية التفكير والتعبير، ولا تقبل بالتعدّد، ستظل عاجزة عن تحقيق الاستقرار والمعنى.
ومن هنا، فإنّ الرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ نماذج جاهزة، بل في إنتاج نموذج عربي للدولة المدنية، ينبع من خصوصية الواقع، دون أن ينغلق عليها؛ نموذج يزاوج بين العقلانية والتاريخية، بين الحرية والمسؤولية، ويؤسس لفضاء يكون فيه الإنسان غاية، لا وسيلة، ومواطناً، لا تابعاً.