بين خذلان العاطفة ومكابرة السياسة: كيف ضاعت فلسطين ودفع الأردن ثمن الواقعية؟

صنارة نيوز - 29/03/2026 - 8:45 pm  /  الكاتب - د عزمي حجرات

د . عزمي حجرات

 

التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل تكتبه أيضاً الهزائم التي غُلّفت بخطابات النصر الوهمية. عند إعادة قراءة المشهد المعقد للصراع العربي الإسرائيلي، بعيداً عن صخب الشعارات والعواطف الجياشة، تبرز حقيقة قاسية: فلسطين لم تضع في يوم وليلة بفعل قوة عسكرية خارقة للخصم فحسب، بل ضاعت عبر سلسلة ممتدة من الانقسامات الداخلية، وتغليب المصالح الضيقة، وسطوة "الشعبوية" التي فضلت إرضاء الشارع على مواجهة الواقع بشجاعة.

في مذكراتها، تلخص رئيسة وزراء الاحتلال السابقة، جولدا مائيرفخ الرفض المطلق والغياب الاستراتيجي، والذي يمثل العقلية السياسية التي واجهتها الحركة الصهيونية بعبارة دقيقة حين قالت: "العرب لم يعترضوا على شيء لأنه يضر مصالحهم، بل كانوا يعترضون على كل شيء ظناً منهم أنهم يضرون إسرائيل". هذه المقولة، على قسوتها، تكشف العصب الحساس في إدارة الصراع؛ حيث غابت الاستراتيجية العربية البديلة، وحل مكانها "الرفض الانفعالي" الذي أفقد العرب فرصاً تاريخية، ومنح الخصم المساحة والوقت لبناء دولته وتوسيع نفوذه.

صراع الزعامات قبل صراع البقاء، كان السائد قبل أن تتورط الجيوش العربية في حرب عام 1948، كانت الساحة الفلسطينية تعاني من نزيف داخلي أضعف جبهتها. لم يكن الصراع مقتصراً على مواجهة الانتداب والعصابات الصهيونية، بل امتد ليصبح صراعاً مريراً على النفوذ بين العائلات والقيادات التقليدية، وتحديداً بين تيار المجلسيين (آل الحسيني) المائل نحو التحالف مع دول المحور والمانيا النازية، والمعارضين (آل النشاشيبي) الذين رأوا مصلحة في التفاهم مع الإنجليز. هذا التناحر المنهك، الذي وصل حد الاغتيالات والتخوين، جعل الحركة الوطنية الفلسطينية مشتتة ومخترقة قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية.

مع اقتراب لحظة الحسم وإعلان قرار التقسيم، برز صوت العقل الوحيد ممثلاً بالملك المؤسس عبد الله الأول. لقد أدرك بوعي القائد وقراءة السياسي المحنك أن المشروع الصهيوني أصبح واقعاً مدعوماً بقوى دولية كبرى، وأن الجيوش العربية غير مستعدة لخوض حرب نظامية شاملة. آمن الملك المؤسس بأن السياسة هي (فن إنقاذ ما يمكن إنقاذه)، لكن هذه الرؤية الواقعية اصطدمت بحائط من المزايدات.

الأنظمة العربية، التي كانت تخشى شعوبها أو تبحث عن شرعية لثوراتها وانقلاباتها الحديثة، اختارت الطريق الأسهل: الدخول في حرب دون قيادة موحدة أو خطة واضحة، لإرضاء عواطف الشارع الهادرة. وفي دمشق، تم تهميش الأردن وإقصاؤه من القيادة العسكرية المشتركة بسبب الحسابات والخلافات العربية البينية.

وعندما حلت الهزيمة وانكشف العجز، احتاجت تلك الأنظمة إلى شماعة تعلق عليها فشلها وتبرر بها ضياع الأرض أمام شعوبها. فكان الأردن، الذي قاتل جيشه ببسالة وحافظ على عروبة القدس الشرقية والضفة الغربية، هو الحلقة التي تم استهدافها لعلاقته الوثيقة مع الانجليز، وتم تحميله عبء القصور العربي بأكمله تحت ذريعة أنه كان يميل لقبول قرار التقسيم، في تشويه متعمد لتاريخ من التضحيات العسكرية والسياسية.

ولعل الجرح الأعمق في هذه السردية، والذي يكشف بوضوح أن فلسطين تحولت لدى البعض من بوصلة إلى مجرد شعار، يتجلى في أحداث أيلول عام 1970. فبعد أن فتح الأردن أبوابه وحدوده، وشارك جيشه في معارك الشرف دفاعاً عن الأرض، بدلاً من أن تُوجه بنادق الفصائل المسلحة نحو المحتل، استدارت لمحاولة إسقاط النظام الأردني.

لقد سعت تلك القيادات إلى تأسيس دولة داخل الدولة، وتجاوزت سيادة القانون، وروّعت الآمنين في مسعى واضح لإقامة سلطة بديلة على الأرض الأردنية. هذا الانحراف الخطير لم يكن وليد الصدفة، بل كان انعكاساً لعقلية تبحث عن الكرسي والحكم بأي ثمن، متقاطعة بشكل غريب مع الحلم الإسرائيلي القديم بتصفية القضية عبر إقامة الوطن البديل في الأردن.

لقد أثبت الجيش العربي الأردني حينها، بتصديه الحازم لهذه الفوضى، أنه صمام الأمان الذي يحمي سيادة الدولة من المغامرات الميليشياوية. ولو نجحت تلك الفصائل في مسعاها، لكانت أهدت الاحتلال أكبر انتصار مجاني بإنهاء الوجود الفلسطيني على أرضه التاريخية وإغراق المنطقة في فوضى لا تنتهي. إن العقلية التي استسهلت توجيه السلاح نحو عمّان طمعاً في السلطة، هي ذاتها العقلية التي ذهبت لاحقاً لتفاوض في الغرف المغلقة بحثاً عن اعتراف وسلطة منقوصة.

لم تتوقف مأساة الانقسام عند حدود عام 1948 أو أحداث أيلول. فمع انطلاق العمل الفدائي وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، عاد "راع الكراسي ليطفو على السطح. الخلافات العميقة بين قيادة حركة فتح ممثلة بياسر عرفات، وأحمد الشقيري رئيس المنظمة، وغيرها من الفصائل، جعلت البوصلة تنحرف في كثير من الأحيان عن مسار التحرير نحو مسارات التثبيت في المناصب وإثبات الوجود.

هذا التخبط الداخلي، وفقدان الثقة المتراكم، انتهى بالفلسطينيين إلى الانفصال عن الإجماع العربي، واختيار طريق المفاوضات السرية المنفردة، التي تمخضت عن اتفاقية "أوسلو". اتفاقيةٌ هندست واقعاً جديداً، وشرعنت الانقسام، وتركت القضايا الجوهرية معلقة في الهواء.

وكأن التاريخ يُصرّ على إعادة إنتاج نفسه بنسخ أكثر مأساوية، فإن الناظر إلى المشهد الفلسطيني الراهن يدرك أن لعنة الانقسام لم تكن مجرد عارض تاريخي في محطة عابرة، بل هي متلازمة مستمرة ومتصلة دون انقطاع منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى عامنا هذا (2026). فمن صراع العائلات والزعامات التقليدية قديماً، مروراً بتطاحن الفصائل في السبعينيات، وصولاً إلى الانقسام الجغرافي والسياسي العميق الذي يمزق الجسد الفلسطيني اليوم؛ تتغير الأسماء واللافتات وتبقى العقلية ذاتها. لا تزال بوصلة الصراع تتجه نحو إثبات الوجود والمكاسب الفصائلية الضيقة، ليثبت الواقع مرة أخرى أن السلطة والكرسي تفوقا في حسابات البعض على الأرض والتحرير. هذا التشظي المزمن لا يخدم سوى الاحتلال الذي يقتات على إدامة هذا النزاع الداخلي، بينما تستمر الدول المجاورة، وفي طليعتها الأردن، في تحمل التبعات السياسية والأمنية الثقيلة لهذا الغياب المستمر للإرادة الموحدة.

خلاصة القول إن إنصاف التاريخ يتطلب شجاعة في قراءته. ضياع فلسطين لم يكن قدراً محتوماً بقدر ما كان نتيجة لسوء إدارة الأزمات، وتغليب المزايدات على الحكمة. وفي وسط هذا الركام، يقف الموقف الأردني التاريخي شاهداً على أن الدولة التي واجهت الواقع ولم تتاجر بالشعارات، دفعت وما زالت تدفع ضريبة وعيها وحرصها الصادق، في منطقة لم تعتد بعد على تقبل الحقيقة العارية.