أزمة الإعلام الأميركي.. هيمنة الأوليغارشية المالية وانهيار أخلاقيات المهنة
صنارة نيوز - 25/02/2026 - 1:04 pm
من واشنطن: محمود بلحيمر
تجربة عام واحد من رئاسة دونالد ترامب في ولايته الثانية أشّرت على أن الولايات المتحدة يمكن أن تنحذر إلى سلطوية لا تختلف عمّا نراه في أي دولة من دول العالم الثالث. ليس فقط لأن النخب السياسية لم تعد تتجرّأ على المعارضة، كما هو حال غالبية أعضاء الكونغرس، بل لأن “مساحة الحرية” التي امتازت بها وسائل الإعلام الأميركية صارت تضيق بسرعة. وحتى قبل مجيئ ترامب فشل الإعلام الأميركي فشلا ذريعا في اختبار الحرب الروسية على أوكرانيا وحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. الإعلام الأميركي لم يعد نموذجا للاحترافية واحترام أبسط قواعد المهنة وأخلاقياتها.
المقص يتسلل إلى الصحافة الأميركية
ستيفن كوبير، صاحب البرنامج الفكاهي المسائي الشهير على شبكة “سي بي أس” قال قبل أيام على الهواء مباشرة: “إدارة ترامب تريد إسكات أي شخص يقول أي شيء سيئ عن ترامب على شاشة التلفزيون لأن ترامب يشاهد التلفزيون فقط، إنه مثل الطفل الذي يقضي الكثير من الوقت أمام الشاشات”. تصريحات كوبير جاءت ردا على قرار إدارة “سي بي أس” رفض بث مقابلة مع المرشح لمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية تكساس، جيمس تالاريكو، بحجة ضرورة ضمان “وقت متساو لكل المترشحين السياسيين..” وفق ما تشترطه لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC). ووفق كوبير فإن المقابلات الإخبارية والبرامج الحوارية مع السياسيين مستثناة من هذه القاعدة. خلفية تصرف إدارة “سي بي أس” واضحة؛ تالاريكو هو مرشح عن الحزب الديمقراطي وينتقد بشدة سياسات ترامب، والقناة لا تريد منحه منبرا للتعبير وكسب أنصار وناخبين.
شبكة “سي بي أس” نفسها كانت محل ضجة إعلامية في ديسمبر الماضي عندما تدخلت رئيسة التحرير الجديدة، باري وايز، لوقف بث تقرير ضمن البرنامج الشهير “60 دقيقة” يتحدث عن سوء معاملة وتعذيب تعرض لها مهاجرون رحّلتهم إدارة ترامب في وقت سابق إلى أحد السجون في سلفادور. حجة وايز أن التقرير “يحتاج إلى مزيد من التدقيق”، بينما شددت منتجة البرنامج على أن التقرير خضع لتدقيق صارم وأن قرار وقف بثه ليس لدواعي تحريرية بل سياسية. واضح أن رئيسة التحرير لا تريد تقريرا سلبيا عن إدارة ترامب.
ينبغي التذكير أن باري وايز عُينت في أكتوبر الماضي رئيسة للتحرير من قبل مالك القناة، دافيد إليسون، نجل لاري إليسون، ثاني أغنى رجل في العالم، وداعم رئيسي لترامب ولإسرائيل بحيث تربطه علاقة صداقة وثيقة مع بنيامين نتنياهو. وهو الذي استحوذ مؤخرا على تطبيق “تيك توك” بأميركا. ومن الواضح أن “سي بي أس” تريد تغطيات إخبارية تنال رضا ترامب الذي يتهم الصحافة بأنها غير منصفة له بل وخاضعة لهيمنة اليساريين والليبيرالين المعادين للمحافظين..
واقعة مماثلة حصلت في سبتمبر من العام الماضي في قناة “آي بي سي”، عندما توقف برنامج الإعلامي الشهير جيمي كيميل لبضعة أيام بعد ضغوط يمينة وتهديدات من رئيس لجنة الاتصالات الفدرالية، برندان كار، وذلك على خلفية تعليق جيمي كيميل على حادثة مقتل الناشط اليميني تشارلي كيرك. برندان كار هدد بسحب رخصة البث الخاصة بالقناة من قبل لجنة الاتصالات الفيدرالية”. وقد احتفل ترامب بقرار إيقاف برنامج جيمي كيميل، لكن البرنامج عاد بعد حملة تضامن غير مسبوقة.
وينتقد جيمي كيميل ترامب باستمرار كما يسخر من تصرفاته وينتقد عثرات فريقه الحكومي. وفي الواقع، تبقى البرامج الترفيهية المسائية هي الوحيدة التي تستحق المشاهدة في الشبكات الإخبارية الأميركية لأسلوبها الساخر في نقد الإدارة الأميركية وفي تناول واقع سياسي أقل ما يقال عنه إنه بائس. في المقابل لم تعد وسائل الإعلام التقليدية تستهوي الجمهور، فقد كشف استطلاع للرأي أجراه معهد “غالوب” في أكتوبر 2025 أن 28% فقط من الأميركيين يثقون في وسائل الإعلام الأميركية، بينما كانت النسبة في حدود 31% في 2024. جدير بالذكر أن ثقة الأميركيين في صحافة بلادهم كانت في حدود 70% في سبعينيات القرن الماضي.
تراجع ثقة الجمهور في وسائل الإعلام الرئيسية مرده عدة أسباب، منها أساسا أنها لم تعد معنية بالبحث عن الحقيقة ومعالجة القضايا التي تعني الشرائح العريضة من الجمهور. فلقد باتت رهينة الاستقطاب السياسي الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين؛ نقاش مكرر وممل يعني فقط نخبة ضيقة من السياسيين والأثرياء، وكأننا في غرف صدى وليس في حوار مجتمعي. أما الأميركي الذي يبحث عن العمل والتأمين الصحي أو المهدد بالتشرد فلا يجد نفسه في ذلك النقاش.
أكثر من ذلك فهي سجينة التدوير (Spin) (الذي هو أقرب إلى التضليل)، بحيث تنتقي الشبكات الإخبارية الأخبار على نحو يخدم سردية معينة لا الحقيقة، فتركز على بعض الوقائع وتتجاهل أخرى وتتعمد التكرار لترسيخها في ذهن المتلقي. فمثلا تقدم “فوكس نيوز” الصدام بين شرطة الجمارك والمتظاهرين في مينيابوليس بولاية مينسوطا على أنه “تنفيذ شرعي للقانون لطرد مهاجرين غير شرعيين مجرمين ولتأمين المدن التي صارت مرتعا للجريمة..” بينما نجد في “سي أن أن” و “أم أس أن بي سي” رواية مغايرة تتحدث عن “عنف شرطة الجمارك بحق متظاهرين يمارسون حقهم الدستوري وأن الشرطة تشتت العائلات وتلاحق أطفال المهاجرين الأبرياء وتروّع المواطنين إلخ..
المعظلة الكبرى لدى المؤسسات الإعلامية الرئيسية والصحفيين هي أن حرية التعبير تبقى منحسرة في نطاق هامش ضيّق تسمح به السياسة التحريرية للمؤسسة. قد يبدو هذا غريبا في أميركا لكنه الحقيقة. فمثلا لا يمكن لصحفي في شبكة “فوكس نيوز”، التي يملكها الملياردير روبرت موردوخ، أن يتفوه بكلمة واحدة منتقدة لسياسات الرئيس ترامب، ولا يمكنه حتى محاولة إثارة نقاش حولها، بل إن هناك سردية وخطابا وحتى “سكريبت” واضحين لا يمكن الخروج عليهم، ويتم انتقاء خبراء ومتدخلين على أساس مدى انسجامهم مع هذه السردية، ومن يدلي بموقف مغاير فقد حكم على نفسه بـ”الإعدام” من الشاشة، ولن يحظى بشرف لقب الخبير أو المحلل في المؤسسة. فوكس نيوز تمجد حركة ماغا وترامب وتمارس الدعاية لتوجه المحافظين الجمهوريين. بينما تتولى الشبكات الإعلامية الأخرى الدعاية للسردية اليسارية الديمقراطية ولا تخرج هي الأخرى عن الخط.
الحرب في أوكرانيا وغزة عرّت الصحافة الأميركية
الحرب في أوكرانيا وغزة عرّت تماما الصحافة الأميركية، فزيادة على سقوطها بشكل فاضح في فخ إزدواجية المعايير، فلقد أظهرت فقدانها للحس الإنساني وللواجب الأخلاقي أمام معاناة إنسانية في قطاع غزة هي الأبشع منذ الحرب العالمية الثانية. هنا إختفت قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير مثلها مثل قواعد وأخلاقيات مهنة الصحافة التي عادة ما يلجأ المهنيون في دول عالم ثالث إلى مدوناتها لكي تتعلم منها. أذكر أن البند الأول في مدونة جمعية الصحفيين المحترفيين الأميركية يقول: “إبحث عن الحقيقة وانقلها” للجمهور.
عندما اندلعت الحرب الروسية على أوكرانيا كانت الصحف والقنوات الإخبارية الأميركية تنقل لفترات طويلة تداعيات الحرب على الأوكرانيين، لاسيما المدنيين، وتابعت رحلات الكثير منهم بحثا عن الملاجئ ومعاناتهم مع القصف والدمار والبرد وفقدان الأرواح، كما تذكر باستمرار بخروقات روسيا وأطماعها المنافية للأعراف والقوانين الدولية،، غير أن هذا النمط من التغطية الإخبارية إختفى في حالة الحرب الإسرائيلية على غزة. ولأن الأمر يتعلق بالفلسطينيين وإسرائيل بدى الفرق منذ الأيام الأولى لحرب غزة. فقد كشف تقرير لصحيفة “ذا النايشن” (The Nation) أن تغطية شبكتي “سي أن أن” و “أم أس أن بي سي” للمائة يوم الأولى من حرب إسرائيل على غزة اعتمدت معيارا مزدوجا على نحو ثابت، بحيث حظي الفلسطينيون بتغطية أقل تعاطفًا وأقل إضفاءً للطابع الإنساني مقارنةً بالإسرائيليين خلال الفترة نفسها، أو بالأوكرانيين خلال أول 100 يوم بعد الغزو الروسي.
وخلال أكثر من عامين من حرب إبادة، باعتراف منظمات حقوقية عالمية مثل هيومن رايتس ووتش وآمنستي آنترناشيونال، لم تغيّر وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية من نمط تغطيتها لحرب غزة؛ إذ واصلت التحيّز لوجهة النظر الإسرائيلية من خلال ترديد سرديتها وللعناصر الرئيسية لخطاب الجيش الإسرائيلي أو الإدارة الأميركية المنحازة لإسرائيل (Talking points)، كما انساقت وراء السرديات التي تنزع الإنسانية عن الفلسطينيين بتصوريهم كضحايا قيادات حماس “الإرهابية”، وتتحاشي عرض المعاناة الإنسانية للنساء والأطفال في غزة، وانتقاء مصطلحات مضللة كتصوير الحرب وكأنها تجري بين جيشين متكافئين في القوة، وأكثر من ذلك التعتيم على ما يحدث من تدمير للبنية التحيتية من مدارس وبنايات ومستشفيات ومساجد وكنائس..وباتت تتحدث عن الفلسطينيين كأرقام دون تكليف نفسها سرد القصة كاملة في سياقها وحقائقها.
وإلى اليوم تتجاهل الصحافة الأميركية الوضع في غزة رغم استمرار معاناة الفلسطينيين وتواصل القصف الإسرائيلي حتى بعد وقف إطلاق النار. فقد كشف بحث أجرته مجموعة (FAIR) التي تراقب أداء وسائل الإعلام، أن معدل التغطية لغزة بلغ 1.5 % فقط من مجموع الأخبار منذ إعلان وقف إطلاق النار في 3 أكتوبر الماضي، وفي هذه الفترة قتلت إسرائيل 480 فلسطينيا، من بينهم أكثر 100 طفل. وفي الفترة من جويلية إلى أكتوبر 2025 كانت أخبار غزة تمثل نحو 2.3 % من مجموع الأخبار.
إرث الواشنطن بوسط يتلاشى
الصورة اللامعة للصحافة الأميركية التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون في سبعينات القرن الماضي بعد تحقيقات لصحفييْن شابيْن، بوب وودوارد و كارل بيرنستين، نشراها في “الواشنطن بوسط” في قضية ووترغايت الشهيرة،، هذه الصورة اختفت إلى غير رجعة. فـ”الواشنطن بوسط” صارت ملكا للملياردير جيف بيزوس، مالك شركة أمازن العملاقة، الذي أخضعها لمنطق الأوليغارشية المالية المتحالفة مع النخبة السياسية الحاكمة.
فجيف بيزوس، مثل غيره من ملاّك المؤسسات الإعلامية الأميركية، لا يكترث للحرية ولمعايير الاستقلالية والحياد في الصحافة بل يركز بدلا من ذلك على المصالح الاقتصادية لإمبراطوريته المالية. ولذلك منع الصحيفة عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة من تأييد مرشح معين، وهو تقليد قديم دأبت عليه الصحيفة العريقة. حجة بيزوس هو تجنّب التحيز، لكن تفسيرات أخرى تشير إلى أن الميلياردير الشهير خشي من تداعيات اقتصادية محتملة على إمبراطوريته المالية. مع الإشارة إلى أن إدارة هذه الجريدة العريقة، التي تأسست قبل 145 عاما، قررت تسريح 300 عامل من 800، في خطوة أثارت احتجاج الموظفين الذين وصفوها في إحدى لافتاتهم بأن “الديمقراطية تموت في الظلام، وأنت يا جيف بيزوس قد أطفأت الأنوار”.




