منتدى الاستراتيجيات الأردني يناقش مستقبل العمل والتنمية الاقتصادية في المنطقة مع الدكتور أشرف العربي
صنارة نيوز - 18/01/2026 - 2:29 pm
عقد منتدى الاستراتيجيات الأردني جلسة حوارية استضاف خلالها معالي الدكتور أشرف العربي، رئيس معهد التخطيط القومي في جمهورية مصر العربية، ووزير التخطيط والتعاون الدولي والمتابعة والإصلاح الإداري الأسبق، وذلك ضمن سلسلة "الحوار مع قادة الفكر"، التي يحرص المنتدى من خلالها على تقديم نقاشات نوعية تربط التحليل الاقتصادي بصناعة القرار، وتضع التجارب الإقليمية في خدمة الأولويات الوطنية. وقد جاءت الجلسة برعاية الملكية الأردنية.
وشهدت الجلسة مشاركة معالي وزير العمل الدكتور خالد البكار، إلى جانب أعضاء المنتدى، وعدد من أصحاب العلاقة من الخبراء والمختصين.
واستهل العربي حديثه بتشخيصٍ دقيق لواقع الاقتصادات العربية، مؤكدًا أن مفهوم "الصمود الاقتصادي" لم يعد يقتصر على مستويات الدخل أو معدلات النمو، بل بات يرتكز بصورة أساسية على القدرات المؤسسية والاجتماعية والإنتاجية. وأوضح، في ضوء استرشاده بالتقرير الصادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا – الإسكوا"، أن العديد من الاقتصادات العربية تُظهر فجوة واضحة بين مستويات الدخل الظاهرية ومستويات الصمود الفعلية، نتيجة ارتفاع درجات الهشاشة وضعف القدرة على التكيّف، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الموارد الطبيعية وتواضع مستويات التعقيد الاقتصادي.
وقدّم العربي طرحًا تحليليًا مقارنًا أكد فيه على ضرورة الانتقال في تقييم الأداء التنموي من المقاربات التقليدية إلى مقاربة أشمل تقوم على بناء القدرات، وتعزيز الإنتاجية، وتنمية المهارات المرتبطة بسوق العمل. كما تناول التحولات الهيكلية التي تعيد تشكيل أسواق العمل العربية، وذلك في ضوء الإصدار التاسع من تقرير التنمية العربية 2025 الصادر مؤخرًا، وفي مقدمتها التحولات الديموغرافية، والتسارع في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التحول الأخضر، مبينًا أن هذه التحولات تفرض تحديات مركبة، لكنها في الوقت ذاته تفتح آفاقًا جديدة للنمو والتشغيل. وأشار العربي إلى أن المنطقة العربية تواجه تحديات مزمنة، على رأسها ارتفاع معدلات بطالة الشباب واتساع نطاق القطاع غير الرسمي، مؤكدًا أن التكيف المبكر مع متطلبات الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي يمثل فرصة تاريخية للدول المصدّرة للعمالة، مثل مصر والأردن، لخلق فرص عمل مستدامة وتحسين الإنتاجية. وأكد أن اغتنام هذه الفرصة مشروط بإصلاح منظومات التعليم والتدريب، ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب تبني حلول إقليمية مشتركة، وإصلاحات مؤسسية تعزز الكفاءة، وتمكين فعّال للقطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيس للنمو المستدام.
واختتم الدكتور أشرف العربي حديثه بالتأكيد على الدور المحوري للمشروعات القومية الكبرى كأداة لتسريع وتيرة الإصلاح الاقتصادي وتحقيق النمو المستدام، مستعرضًا التجربة المصرية في مدن الجيل الرابع، وعلى رأسها العاصمة الجديدة، كنموذج يجمع بين تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز مرونة الاقتصاد وأسواق العمل، شريطة إدماج هذه المشروعات في إطار تخطيطي متكامل يربط بين الاستثمار، والتشغيل، والتنمية الإقليمية، والعدالة الاجتماعية. كما نوه إلى أن تعظيم العائد التنموي لهذه المشروعات يتطلب تحسين الحوكمة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتوجيه الاستثمارات نحو رفع الإنتاجية وخلق فرص عمل نوعية ومستدامة. وانتهى العربي باستخلاص بعض الدروس الهامة من التجربة المصرية، والتي تمثل مرجعًا في تخطيط وتنفيذ مدينة عمرة الجديدة بالأردن، مؤكدًا أهمية وضوح الدور الاقتصادي للمدينة، والتكامل مع محيطها الإقليمي، وربط التوسع العمراني بفرص العمل والإنتاج، مع ضمان الاستدامة منذ المراحل الأولى للتنفيذ.
من جهته، أكّد وزير العمل الدكتور خالد البكار أهمية تطوير أدوات السياسات العامة لمواكبة التغيرات المتسارعة في أنماط العمل والمهارات المطلوبة، مشيرًا إلى أن الوتيرة السريعة للتغير التكنولوجي حدّت من فعالية التخطيط التقليدي متوسط وطويل الأمد، ما يستدعي بناء قاعدة معرفية مرنة تُعزّز جاهزية الشباب لسوق العمل المتغير. ولفت إلى أن الاقتصاد العالمي يشهد نموًا في قطاعات كثيفة التكنولوجيا لكنها أقل قدرة على خلق فرص عمل واسعة، مقابل فجوة متزايدة في أسواق العمل الدولية نتيجة تراجع أو شيخوخة القوى العاملة في عدد من الدول المتقدمة، ما يفتح فرصًا جديدة إذا ما تم الاستثمار في المهارات المناسبة.
وأشار البكار إلى أن هذا الواقع يتطلب أطرًا تشريعية أكثر مرونة واستجابة لأنماط العمل الجديدة، بما في ذلك العمل المرن، والعمل عن بُعد، والعمل العابر للحدود، مؤكدًا أن وزارة العمل عملت على تنظيم منظومة العمل المرن وربطها بمحاور الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، لضمان استقرار العاملين في هذه القطاعات. كما شدد على أن التدريب والتأهيل المستمرين يشكّلان المدخل العملي الأهم لمعالجة فجوات المهارات، سواء من خلال برامج قصيرة أو متوسطة الأمد، إلى جانب إعادة الاعتبار للمهن الحرفية والمتخصصة، بالتوازي مع جهود الحكومة في تحديث تشريعات العمل والضمان الاجتماعي، وربط إصلاحات التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلية.
وفي هذا السياق، أوضحت المديرة التنفيذية لمنتدى الاستراتيجيات الأردني، نسرين بركات، أن المنتدى ينطلق في تعاطيه مع قضايا سوق العمل من مقاربة واضحة وجوهرية تتجاوز المؤشرات التقليدية، مؤكدة أن التحدي لا يتمثل فقط في مستويات البطالة، وإنما في طبيعة النمو الاقتصادي وقدرته على توليد فرص عمل كافية ونوعية، تستجيب لمتغيرات سوق العمل، وتستوعب طموحات الشباب، وتسهم في رفع مستويات الإنتاجية على المدى المتوسط والطويل.
وأضافت أن الأردن يقف اليوم أمام فرصة ديموغرافية حقيقية، تتطلب سياسات أكثر تكاملًا تربط بين التعليم والتدريب، والاستثمار المنتج، والسياسات المالية والنقدية، بما يعزز فرص تحويل هذه الفرصة السكانية إلى رافعة للنمو والتنمية المستدامة. وأشارت إلى أن التوجه نحو تطوير المدن الجديدة يشكّل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين التخطيط الحضري، وفرص العمل، وجودة الحياة، مؤكدة أن نجاح هذه المشاريع يرتبط بقدرتها على خلق وظائف نوعية، ودعم أنماط العمل المستقبلية، وتعزيز الترابط بين التنمية الحضرية والاقتصاد الحقيقي.
كما أوضح عضو منتدى الاستراتيجيات الأردني ووزير التخطيط والتعاون الدولي الأسبق، الدكتور إبراهيم سيف، الذي تولّى إدارة الجلسة الحوارية، أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة تفرض تحديات غير مسبوقة على الاقتصادات العربية، ليس فقط من حيث سرعة التغيير، بل من حيث القدرة المؤسسية على استيعابه. ولفت إلى أن غياب الجاهزية الكافية، وتراجع الإنتاجية، واستمرار ضعف الاستثمار، يطرح تساؤلات جوهرية حول مصادر النمو المستقبلية، وجدوى الأدوات المتاحة لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
وشهدت الجلسة حوارًا موسّعًا وتفاعليًا مع الحضور، حول خيارات السياسات المتاحة، والتحديات العملية المرتبطة بتطبيق الإصلاحات، في ضوء المتغيرات الاقتصادية المتسارعة محليًا وإقليميًا.



