العم لوشيون: انظر..ها هي الصين التي
facebookyoutubetwitter
Share/Save/Bookmark
Share/Save/Bookmark

رئيس التحرير: أحمد الحريبي القيسي

Share/Save/Bookmark
Share/Save/Bookmark  
Share/Save/Bookmark  

العم لوشيون: انظر..ها هي الصين التي

PDFطباعةأرسل إلى صديق

رشاد أبوشاور

في العام 1970، وتحديدا في شهر أيّار زرت الصين ضمن وفد فلسطيني، للمشاركة في أسبوع تضامني مع كفاح الشعب الفلسطيني، وقد عقد الاحتفال الرئيس في قاعة الشعب القريبة من ساحة (تيان آن مين) الشهيرة، أي الساحة السماوية في بكين.

كان معنا عدد من الصحافيين العرب، من المغرب والمشرق العربي، وقد استمرت الزيارة 15 يوما، زرنا خلالها العاصمة بكين، والتقينا برئيس وزراء الصين الأسطوري شو أن لاي، الذي نصحنا بمشاهدة أوبرا بكين التي كانت تعرض آنذاك (الاستيلاء على جبل النمر بدهاء)، حيث اكتشفنا أن الأوبرا الصينية تختلف عن الأوبرا الغربية. لقد دهشنا ونحن نشاهد العرض المختلف المبهر.

كانت زيارتنا للصين قد بدأت من كانتون، ومن بعد إلى بكين، ثمّ نانكين، وتشيان جين، وشنغهاي.

شاهدنا أوبرا بكين كما أسلفت، ومن بعد استمتعنا بدهشة ببالية الأطفال في نانكين، وبالمسرح العسكري الكوميدي، بعرض أضحكنا كثيرا رغم عدم معرفتنا باللغة، وهذا بفضل براعة الممثلين الذين اعتمدوا على الحركة أكثر مما اعتمدوا الكلام لانتزاع الضحك.

حتى ذلك الوقت لم أكن قد قرأت سوى كتابات الرئيس ماو عن حرب العصابات، وعن المسيرة الكبرى، وبعض قصائده المترجمة للعربية، وكتاب (النجم الأحمر فوق الصين) للكاتب الأمريكي إدغار سنو.

لم أكن قد قرأت شيئا من الأدب الصيني، لا المعاصر، ولا القديم، وهذا سببه عدم توفر النصوص الصينية بالعربيّة، وهو ما يدلل على قطيعة ثقافية قسرية بين أمتينا العريقتين.

رغم أن العلاقة بين أمتينا، الصينية والعربية، قديمة وعريقة، فإن قرونا من الانقطاع قد باعدت بيننا ثقافيا، وذلك يعود إلى أن أمتينا قد دخلتا في عصور ظلام وتخلّف، بعد أن كانتا في حالة صعود علمي ومعرفي وثقافي وحضاري، لتأخذ أوربا قصب السبق مع بدء عصر النهضة، ولنغرق نحن في التخلف على مدى قرون، بسبب الاستعمار الغربي الأوربي، البريطاني تحديدا، والاحتلالات التي توالت علينا وعلى الصين.

صدفة وجدت أعمال الكاتب الصيني لوشيون في مكتبة (دار دمشق) في العاصمة السورية، فقرأتها بلهفة لرغبتي العارمة بالاطلاع على شيء من الأدب القصصي الصيني، وكانت دهشتي كبيرة بما أقرأ، فأنا في حضرة كاتب كبير، عميق الإنسانية، محب للبسطاء، عارف بأحوالهم وآلامهم، متعاطف إلى أبعد حد مع شقائهم، غاضب على من وضعوهم في ظروف البؤس والفاقة والجهل والتخلّف..وهو مؤمن بعراقة أمته، وبحتمية تجاوزها لتخلفها، وضعفها، والاستبداد الذي تعاني منه، والذي يغوي بها تارة اليابان، وتارة بريطانيا، ويبقيها أمة عاطلة عاجزة عن تحقيق نهضتها.

ما هي مناسبة هذا الحديث عن تلك الرحلة البعيدة، و..لوشيون سيد الكتابة الكلاسيكية، والمجدد لأدب القّص الصيني؟!

قبل شهرين تقريبا فوجئت برسالة على بريدي الإلكتروني من أستاذ الأدب الصيني في جامعة عين شمس فهمي حسانين، يسألني فيها إن كنت قرأت لوشيون، وعن رأيي في إبداعه، وإن كنت تأثرت به في مسيرتي القصصية والروائية.

عدت بعد كل هذه السنين التي مرّت على قراءتي للأعمال القصصية المختارة لهذا الكاتب، لقراءتها من جديد، وأنا غير متيقن إن كنت سأستمتع بها بنفس الدرجة من الاستمتاع التي شعرت بها عند قراءتي لها قبل حوالى ثلاثة عقود.

مجلد قصص لوشيون المختارة المتوفر لدي، والذي حملته معي من بلد إلى بلد، في تنقلاتي الاضطرارية من سورية، إلى لبنان، إلى تونس، إلى الأردن ـ وهذا يدلل على مدى تقديري لهذا الكاتب غير العادي ـ صدر في طبعته الثالثة عام 1984، وبترجمة جميلة جذابة، قرّبت النص الصيني من القارئ العربي بسلاسة..وهذه الطبعة هي التي ما زلت أحتفظ بها.

إحدى القصص التي رسخت في ذاكرتي من قصص لوشيون كانت (قصة آه كيو الحقيقية)، ولذا قلت لنفسي: فلأبدأ بقراءتها..ولأر إن كانت تستحق بعد كل هذه السنين الإعجاب الذي تركته في نفسي قبل عقود، والتي دفعتي لإطلاق لقب (آه كيو) على صديقي الشاعر الفلسطيني موسى صرداوي!

الحداثة، والمعاصرة، والجدة...هذه بعض صفات هذه القصة الطويلة، أو الرواية القصيرة، التي ذكرتني بمسرح (بريخت) التغريبي..والسبب أن (العم) لوشيون (يخلق) تحت أنظارنا، وبالكلمات، شخصية من لا شيء، شخصية لا قيمة لها، غير جديرة بالكتابة عنها، فمن هي حتى يكتب عن حياتها التي لا معنى لها، ولا قيمة؟

إنه يلعب ..ويأخذنا بأسلوبه (الماكر) البارع..ويدخلنا في (النص) القصصي، ويجعل من اللاشخصية شخصية من لحم ودم، لها مشاعر، حياتها مأساوية، شخصية مهانة مذلة، ومع ذلك تبذل أقصى الجهد للتخلص من هوانها، وتحوّل هذه المهانة والبهدلة إلى شعور بالرضى، بسبب عجزها، هي التي لا أصل لها، لا حسب ولا نسب، لا زوجة، ولا أبناء..والتي تعاقب على كل حركة تأتي بها، وكل رغبة تبديها..في الحب، ونيل بعض حقها في الحياة، وتضطهد من أسرة (تشاو) لمجرّد ادعائها بالانتساب إلى تلك الأسرة!

دهشت للتقنية التي يدخل بها (العم) لوشيون إلى عالمه القصصي..وهذا ما جعلني اشعر بأنني أقرأ (آه كيو) للمرة الأولى، واكتشف براعة القص، وبراعة (خلق) الشخصية، وإقناعنا بها، فهي شخصية (حقيقية)، وهو الكاتب يجعل من (نكرة) شخصية لا تنسى..وهذا هو الفن العظيم الذي لا يموت مع الزمن، بل يتجدد، ويعيش، ويُعّرف الصينيين المعاصرين بمعاناة أسلافهم في مجتمع الإقطاع والطبقات الاجتماعية حيث كانت الأغلبية الساحقة تعيش حياة البؤس لتتنعم قلة قليلة، ويعرفنا نحن غير الصينيين بالمدى الذي قطعته الصين حتى تأخذ دورها بين الأمم المعاصرة، وتحقق هذه المنجزات المعجزة، وتنهض بعد طول عثار، وتخلف، حتى بدا أنها لن تنهض في يوم من الأيام لشدة فتك الأمراض الاجتماعية بجسدها وروحها وإرادتها.

في (قصة آه كيو الحقيقية) سخرية..ليس من (آه...) ولكن من الواقع الذي شوّه حياة هذا الإنسان المسحوق الغريب في مجتمعه ووطنه.

و(آه...) في بعض جوانبه يبدو وكأنه (دون كيشوت) فهو حالم، متنطع، دعي ببراءة، طامح إلى التغيّر والتغيير..لذا فهو متهوّر، وهذا ما يدفعه لادعاء أنه (ثوري) ..وهو ما يؤدي به في النهاية إلى الإعدام..ودون أن يأبه بنهايته أحد..فما هو إلاّ نكرة..لا حسب ولا نسب له، ومن عاش بسببهم غريبا، فقيرا، مضطهدا..هم من سرقوا حياته، وأنهوها نهاية هي مزيج من التراجيديا والكوميديا!

النكرات الضحايا شخصيات تتكرر في قصص العم (لوشيون)..ف(كونغ يي جي) هو (آه كيو) آخر، وإن اختلفت وقائع حياتهما. تنتهي قصة ذلك النكرة بالسطر التالي: وحتى الآن لم أره..فلعل كونغ يي جي قد مات حقا.

إنه كغيره من رواد الحانات المتشردين، والتائهين، الذين يعيشون مقتلعين في مجتمع التخلف والفاقة والقلّة القليلة المنعمة.

العم (لوشيون) يدخل في أعماق شخوص قصصه، ولا يصفها من الخارج. إنه لا يكتب لاستدرار الشفقة، ولكن لتحدد موقفك كقارئ بعد أن تنتهي من قراءة آخر سطر في حياة هؤلاء البؤساء.

الحياة في الصين، في زمن (لوشيون) حياة قاتمة، طاحنة لإنسانية الإنسان، وهذا ما نلمسه، ونتأثر منه، في قصة (دواء) التي تتحدث عن فتى مريض، يبصق دما، وهو ما يدفع والده ووالدته للحصول على شيء من دم محكوم بالإعدام، لأنه بحسب الوصفات (الخرافية) يشفي المريض. يشرب الفتى دم المحكوم بالإعدام، ولكنه يموت..وعند قبري الفتى، والمحكوم بالإعدام، تلتقي الأمان..أمّا الضحيتين على المقبرة: وقبل أن تخطيتا ثلاثين خطوة سمعتا خلفهما نعيبا، فالتفتتا وراءهما فزعتين، فرأتا الغراب يبسط جناحيه، وهو يهيئ نفسه للانطلاق، ثمّ طار كالسهم نحو الأفق البعيد.

في قصة (عاصفة في فنجان) يسخر لوشيون من (الأدباء) الذين يمرون في زورق عبر النهر: مر بعض الأدباء في زورق مرح، فتخيلوا المنظر شاعريا، وهتفوا: طلقاء من كل هم .وها هي السعادة الشاعرية لعوائل الفلاحين.

ألا تذكرنا هذه السخرية من المثقفين والأدباء الرومانسيين الذين يرون حياة الفلاحين من (الخارج)، دون أن يتوقفوا عند الاستغلال الذين يعانون منه، والأمراض، وحياة الكدح التي لا تفي بالقليل من حاجات أسرهم بأغنية:

ما أحلاها عيشة الفلاّح

متهني بالو ومرتاح

تلك التي شدا بها أهم مطرب عربي في القرن العشرين..في حين كان (الفلاح) يعاني من مرض (البلهارسيا)، ومن استغلال جهده في زراعة وجني القطن..بينما الأرباح تذهب للتجار والسماسرة؟!

في قصته الأولى (يوميات مجنون) يتساءل المجنون _ وما هو بمجنون_ ولكنه في شروط حياة مجنونة في الصين التي دفعت الملايين للثورة، وإسقاط حكم الإقطاع والأباطرة: هم يأكلون الآدميين، فلعلهم سيأكلونني؟

تنتهي القصّة: من الجائز أن هناك أطفالاً ما زالوا لم يأكلوا الآدميين! ..فأنقذوا الأطفال...

في قصص (لوشيون) يموت الأطفال لانعدام العناية بهم، ولافتقاد الدواء..وتعاني الأمهات، وتضطهد المرأة بسبب تقاليد متخلفة..وكل ما يحدث يدعو للثورة..للثورة، وليس للشفقة والتعاطف المجاني العابر.

سألني الدكتور فهمي في واحدة من رسائله إن كنت تأثرت بهذا الكاتب.

القيم التي كافح هذا الكاتب الثوري من أجلها هي نفسها التي آمنت بحملها في ضميري، وعبرت عنها في قصصي، ورواياتي، وكتباتي الصحفية، ومواقفي..والتي بسببها تشردت من بلد عربي إلى آخر.

هذا الكاتب آمن بالصين ..أمته، وبالإنسان الصيني وحقه في الحياة الحرة العادلة اللائقة بإنسانيته، وبتاريخه، وتراثه، وبعراقة أمته.

وهذا الكاتب الكبير متواضع، وهو ما يستشف من مقدمته، فهو على أهميته، يكتب في المقدمة: فواضح بعد هذا أن قصصي القصيرة هي بعيدة عن أن تكون أعمالاً فنية، ومن هنا أحسب نفسي محظوظا لأنها ما زالت معروفة بأنها قصص، وجمعت في كتاب واحد. ورغم أن هذا الحظ يجعلني قلقا فأنا مسرور على أية حال حيث يراودني الظن بأنها ستجد القراء في عالم الناس، في الوقت الحاضر على الأقل.

الناس لم يقرؤوا قصص العم (لوشيون) في وقته (الحاضر)..بل ها هم يقرأونها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين..وباللغة العربية، وبعد وفاته بعقود كثيرة، وهم، وأنا واحد منهم..وأنا قاص، وروائي..أقول للعم (لوشيون): هذه قصص قصيرة، وطويلة وروايات قصيرة مركزة، مكثفة، مكتنزة بأنبل المشاعر الإنسانية..وهي عاشت، واحسب أنها ستعيش طويلاً، لأنها مكتوبة بفن، وبجمال، وبإنسانية عميقة تصل إلى نفوس البشر الذين يطلعون عليها.

هنا أتوقف لأذكّر القرّاء بكاتبة أمريكية عاشت في الصين مع أسرتها التي اضطرت لمغادرة الصين مع تصاعد مد الثورة، وكتبت عددا من الروايات كلها تدور حول الصين، ومنها رواية (الأرض الطيبة) التي ترجمت إلى العربية في الخمسينات، ومنحت تقديرا لها جائزة نوبل للآداب..ترى من يتذكر تلك الكاتبة (بيرل بيك) ورواياتها المسخّرة لتشويه الثورة الصينية، والتباكي على الشعب الصيني؟!

هذا هو الفرق بين كاتب أصيل، مؤمن بأمته الصينية، محّب لوطنه، يكتب عن روح أمته، وتطلعات جماهير أمته الثائرة، وسعيها لتحقيق العدالة، ومفارقة التخلّف، والتبعية، وأزمنة الذل والهزائم.

لوشيون يعيش في ضمير أمته، ويقرأ باستمرار، داخل وطنه وفي الخارج، ونحن نقرأه لنتعرّف بالصين العريقة..بينما كتابات الدعاية اندثرت ونسيت، كتبات بيرل بيك..الكتابات التي تذكرنا بما يكتب منذ سنوات استشراقيا عن الإنسان العربي، والتي تقدم العربي والمسلم كإرهابي لمجرّد أنه يقاوم الهيمنة الأمريكية والغربيّة الاستعمارية، والصهيونية التي تحتل فلسطين بالدعم الغربي المنحاز!

بقي أن أقول: الصين التي نهضت، والتي حلم بها (لوشيون) وغيره من كتاب وشعراء وفناني الصين في أزمنة الظلم، والتي تملأ بضائعها أسواق العالم، والتي في سنوات بدأت تغزو الفضاء: آن أن تقدّم نفسها ثقافيا إلى العالم..فتنقل بلغات كثيرة، ومنها العربية..روائع أدبها القصصي، والشعري، والتراثي..لتعرّف (بروحها)، ولتبني جسور التواصل..إذ ليس بالتجارة وحدها يتحقق الربح..فهناك ربح يدوم، ويبقى..ويصل بين الثقافات، وأرواح البشر.

*ولد لوشيون في العام 1881 وتوفي في العام 1936 . يعتبر مؤسس الأدب الصيني الحديث. يوصف لوشيون بأنه: قائد رئيسي للثورة الثقافية الصينية الحديثة، ومفكر كبير...

Share/Save/Bookmark

إضافة تعليق

ktt
Share/Save/Bookmark

جامعات

وراء البحار

Share/Save/Bookmark