jett-add.jpg

twin-cooling.jpg

نشر في: 31 أيار 2020
الزيارات:    
| طباعة |

رواية ابي التي لن تكتمل ..

"خفة الكائن" رواية فلسفية لميلان كونديرا، قرأتها قبل عقدين، تحمل تساؤلات عن حياة تصوغها مجموعة صدف عشوائية عصية الفهم تشكل مسيرة حياتنا بطريقة ليس لنا فيها أي دور، وللتتشكل عبرها شخصية الإنسان بعمقها من معاناة أولئك المحيطين به وليس من تجربته الذاتية.

الرواية استحضرتها ذاكرتي وانا اقرأ بذهول واستمع مشتتا أدعية وعبارات مواساة بعد رحيل والدي المغفور له باذن الله مصطفى شقديح يوم الخميس الماضي تاركا خلفه سبعة ايتام انا احدهم.

مصطفى …تكرار لشخصية توماس في رواية كونديرا فالظروف المحيطة ومعاناة من حوله حفرت طرائق دربه و هويته وليس التطور الاجتماعي الانساني الطبيعي لذاته.

هنا اتوقف عند محطات تاريخية رئيسية صاغت هويته الانسانية:

اللاجئ:

غادر قريته بيت نبالا طفلا لاجئا مع ذويه عام ١٩٤٨ في التاسعة من عمره ليقطن تجمعا لأهالي القرية نصب على عجل تحت اشجار زيتون قبل ان يغدو لاجئا رسميا له رقم في كرت الأعاشة "المؤن" الذي وزعته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطنيين في مخيم دير عمار القريب من رامالله.

الثائر:

التحق خلال مرحلة الثانوية العامة عام ١٩٥٧ بحزب البعث العربي الاشتراكي وكان احد ناشطيه في محيط مدينة رامالله حتى العام ١٩٦٧ حين ترك الحزب مع مجموعة من رفاقه ليكون من مؤسسي جبهة النضال الشعبي مع المرحومين صبحي غوشة وبهجت ابو غربية وكان عضوا في مكتبها السياسي ليغادر الاردن عام ١٩٧١ مع من تبقى من الفدائيين الفلسطينيين الى بيروت.

عام ١٩٧١ دخلت جبهة النضال في وحدة دامت اسابيع مع حركة فتح تلاها خروج الجبهة التي التحقت في النصف الاول من السبعينات بتحالف الفصائل الفلسطينية الرافضة للحلول التصفوية " جبهة الرفض" وفي تلك الفترة وقعت اشتباكات فلسطينية-فلسطينية نتج عنها انشقاق في جبهة النضال وتاسيس فصيل تحت اسم جبهة النضال الشعبي "القواعد الثورية" كان والدي امينها العام قبل ان ينضم هذا الفصيل لاحقا لجبهة التحرير الفلسطينية الخارجة من تحت عباءة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة".

العسكري الجريح:

خاض كمقاتل عسكري جميع معارك الثورة الفلسطينية وحمل معه للقبر ندوب رصاصتين في الخاصرة وشظية اسفل الساق ابت ان تغادر جسده فدفنت معه.

خدم في عدة مواقع عسكرية مختلفة: مقاتلا بالدرجة الاولى وعضوا في المجلس العسكري الاعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية لاحقا وعضوا لعدة دورات في المجلس الوطني الفلسطيني ممثلا عن العسكر في البرلمان الفلسطيني.
خلال الانتفاضة الاولى كان عضوا في قيادتها المركزية في الخارج ضمن دائرة شؤون الوطن المحتل.

الأسير والمعتقل:

اعتقل في السجون السورية منتصف السبعينات عدة اعوام قبل ان يطلق سراحه لينتقل بعدها ممثلا لمكتب فصيله في العراق لتقوم حكومتها اثر خلاف سياسي باعتقاله وطرده مع اعضاء فصيله بعد الاستيلاء على ممتلكاتهم الشخصية بينها مركبته الجديدة التي اهداها له شقيقه المقيم بالكويت انذاك.

العائد:

بعد توقيع اتفاق اوسلو، رفضت سلطات الاحتلال الاسرائيلي عودته لاسباب امنية بتهم تنظيم وتمويل مجموعات عسكرية خلال الانتفاضة الاولى وصدر رقمه الوطني بعد توقيع الاتفاق بعامين وعاد الى مدينة رامالله واشترى بالتقسيط المتواصل للان شقة في قبو "تسوية" الطابق الرابع تحت الارض في منطقة مصايف.

اليساري المنتمي لفكر " البروليتاريا".

حتى ما قبل مغادرته للاردن عام ١٩٧٠ لم يكن والدي ممن يتبنون فكر اليسار لكن ذلك اختلف عند استقراره في بيروت بعد الافراج عنه من السجون السورية وتحول ضمن مرحلة صعود الفكر اليساري في السبعينات وضمن هذا التوجه الفكري اختير مديرا ومدرسا لاكاديمية الكادر الحزبي ومقرها مدينة شملان الجبلية قرب بيروت ولعبت الاكاديمية الحزبية دورا هاما في تأطير مئات الكوادر الفلسطينية حزبيا وسياسيا ضمن الفكر اليساري الفلسطيني.

الواقع الاقتصادي:

لم يرتبط ماليا بمنظمة التحرير الفلسطينية او فصائلها قبل العام ١٩٧٠ رغم انه كان كادرا مقاتلا فيها فقد كان موظفا في شركة الدباغة الاردنية وله نصف كسارة بيعت بعد مغادرته للاردن لاحد ابناء عمومتنا من عائلة الحيت.
في مرحلة ما بعد الاردن وحتى وفاته اعتاش فقط على راتبه من منظمة التحرير الفلسطينية وهو راتب متقتطع غير مستقر يرتبط توفره بعلاقات منظمة التحرير وخلافاتها مع الدول العربية والمانحة، بالتالي اضطرت والدتي للعمل في مهنة حياكة الاثواب الفلسطينية التقليدية واضطررنا في مراحل نحن اطفاله للعمل في مهن مختلفة بسيطه.
من راتبه البسيط ومدخرات حياكة امي تم شراء قطعة ارض صغيرة في منطقة ناعور بعمان بداية الثمانينات بمبلغ يقل عن الفي دينار بنيت عليها تسوية غطت كلفها ديون سددت لاحقا او مساعدات اجبارية على شكل "نقوط" للبيت الجديد من ابناء شقيقاته وجيه والدكتور موسى والمرحومين سعادة وخالد.
وحتى الراتب المتقطع من منظمة التحرير كان يتخلله مراحل ظلم لم يشتكي منها او يطالب بتسويتها فعندما انتقل للضفة الغربية بقي راتبه على ملاك الساحة الاردنية دون تعديل ويبلغ ٣٢٠ دينارا فوقها ٥٥ اخرى غلاء معيشة لم تكن تكفي دفع فواتير وايجار شقته المستاجرة في منطقة رامالله التحتا ،ورفض توقيع او توجيه اي كتاب للرئيس الفلسطيني للمطالبة بتعديل وضعه واستمر على ذلك مدة عامين او ثلاثه لحين تدخل رفيق عمره المرحوم الدكتور سمير غوشة الذي ضمه لوزارة العمل.

الأرض والعزلة الاختيارية..

قبل ان يكون مقاتلا او كادرا حزبيا كان فلاحا خبيرا بالارض وزراعتها وتربية كل انواع الطيور والحيوانات الداجنة وغير الداجنة وخلال السنوات العشر الماضية نجح في شراء مزرعة صغيرة قرب بلدة النبي صالح في مدينة رامالله جزء منها بتمويل من ابناءه والاخر استدانة من صديق عمره عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المرحوم علي اسحق الذي اشترى ايضا مزرعة ملاصقة.
منذ المزرعة اعتزل الحياة السياسية والاجتماعية وعاد مزارعا لاشجار الزيتون، التين والفواكه واعشاب الزعتر، الميرمية والجرجير، وخضار الفول، البازيلاء، البصل والفجل.
في سنواته الاخيرة كان اسمرا لفحته شمس الفلاحة ومربيا للدجاج والحمام والشنار والارانب...وبين الحين والاخر كان يتسلل تهريبا الى الداخل الفلسطيني لزيارة قريته بيت نبالا.

خفيفا كان...وخفيفا رحل:

في علاقاته الاجتماعية اكتفى بمجموعة ليست كبيرة من الاصدقاء المقربين ولم يعتد المكوث طويلا عند زيارة احد باستثناء خص به ابناء شقيقتين له.
رحل عن الكون يوم الخميس الماضي، ولم يستيقظ من نومه رغم الحاح شقيقي ليث عليه.
رحل هكذا بسرعة ولم يأخذ معه غير "بطانية" صوفية نزلت معه للقبر.. ...رحل خفيفا كعادته ودفن ذات يوم وفاته وتحديدا بعد ٦ ساعات من اعلانها رسميا لتجنب اغلاق المؤسسات بحكم ظروف بلاء كرونا في الاراضي الفلسطينية وعطلة العيد يوم الجمعة.
رحل خفيفا ولم يشأ حتى ان يزعج محبيه وابناءه بتفاصيل اقامة عزاء او حضور ابناء مغتربين لمرافقة جثمانه الى مثواه الاخير كما يليق بمقاتل عتيق ،فظروف الوباء العالمي وربما خفت حركته وسرعة الحضور والغياب المعتادين منه حالت دون ذلك.

رحيل كامل بعد "نصف عودة" وربع رواية:

وانا في الثالثة عشر حدثني عن مشروع حياته وهي رواية بدأ بانجازها تحمل اسم " مصطفى والجسر" وسمح لي بقراءة بعض فقراتها المكتوبة بحبر ازرق.
لم ينجز الرواية بل انه توقف عن الحديث عنها منذ ان عاد "نصف عودة" الى رامالله وليس عودة كاملة الى قريته بيت نبالا التي كان يتسلل تهريبا اليها بين الفينة والاخرى وتحديدا في مواسم الزعتر.
"نصف العودة" الى فلسطين قتلت مشروع رواية ما زال يحتفظ ببضع عشرات من اوراقها في ملف اصفر قديم باحد ادراج خزانة غرفة نومه.
الرواية لم تكتمل ليس لان كاتبها رحل ولكن لان الظروف المحيطة التي شكلت شخصية توماس في رواية ميلان كونديرا فرضت ذاتها على شخصية والدي، فطموحه وحلمه كان ان يصبح كاتبا روائيا وليس مقاتلا، جريحا طريدا سكن اقبية زنازن عربية وحتى المنازل التى امتلكها وتركها خلفه كانت مجرد اقبية وتسويات.

الخاتمة بشهادة مجروحة..

حتما شهادتي مجروحة فانا ابن مكلوم لمقاتل راحل لكني اشهد انه عاش مقاتلا .. جريحا...اسيرا ...مضى على طريق الشهادة عشرات المرات فعاد اسيرا او جريحا ولم ينل شرفها فاختار كفاف العيش الشريف براتب قليل مع شرف الانتماء الى فلسطين ومقاومتها..
اشهد الله ووالدي بين يديه الان انه امضى معظم حياته مقاتلا وعسكريا مع العسكر وليس بيننا نحن ابناءه يحمل سلاحه ليحمي شعبه وامته ويستعيد ارضه المنهوبة.
اشهد الله ايضا اننا لم نرث نحن ابناءه ومحبيه عنه غير حمل ثقيل هو شرف الانتماء لفلسطين وما يتطلبه ذلك من ضريبة لحريتها...
لروحه السلام ...



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق

  1. اخر التحديثات
  2. الاكثر قراءة